صورة اللفظ للكتابة ، بل تجعل من أوصاف الأوراق ، أو نحو ذلك ممّا لا مقابلة فيه بالثمن للنقوش التي هي رسم كلام اللَّه ، تعظيماً وتأدّباً عن أن تشتري بآيات اللَّه ثمناً قليلا ، وعن مساواته لباقي المبيعات في الابتذال [ 1 ] .
نعم لا بأس بالحكم بكراهة بيعها وشرائها [ 2 ] ، بل الأولى ترك الاشتراط في الأجرة على كتابته
شرح
[ 1 ] كما أومئ إليه في خبري سماعة « 1 » وعثمان بن عيسى « 2 » دون أصل المعاملة ؛ ضرورة أنّ المقصود الأصلي منه [ / بيع المصحف ] شراء النقوش دون الحديد والورق والجلد ، والعقود إنّما تتبع القصود . وقال عبد الرحيم : سألت الصادق عليه السلام عن شراء المصاحف وبيعها ؟ فقال : « إنّما كان يوضع الورق عند المنبر ، وكان ما بين المنبر والحائط قدر ما تمرّ الشاة ، أو رجل منحرف ، قال : فكان الرجل يأتي فيكتب من ذلك ثمّ إنّهم اشتروا بعد ، قلت : فما ترى في ذلك ؟ فقال لي : « أشتري أحبّ إليّ من أن أبيعه ، قلت : فما ترى أن أعطي على كتابته أجراً ؟ قال : لا بأس ، ولكن هكذا كانوا يصنعون » « 3 » . وقال أبو بصير : سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن بيع المصاحف وشرائها ؟ فقال : « إنّما كان يوضع عند القامة والمنبر ؟ قال : كان بين الحائط والمنبر قدر ممرّ شاة ورجل وهو منحرف ، فكان الرجل يأتي فيكتب البقرة ويجيء آخر فيكتب السورة كذلك كانوا ثمّ اشتروا بعد ذلك ، فقلت : فما ترى في ذلك ؟
قال : أشتريه أحبّ إليّ من أن أبيعه » « 4 » . وهما مع دلالتهما على ما قلناه من الجواز ، دالّان أيضاً على استعماله [ / بيع المصحف ] في ذلك الزمان وإن كان حادثاً . ومنه يعلم ما فيما سمعته من النهاية من منع الصحابة . وفي خبر عبد الرحمن عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أيضاً : « أنّ امّ عبد اللَّه بن الحارث أرادت أن تكتب مصحفاً فاشترت ورقاً من عندها ودعت رجلًا فكتب لها على غير شرط ، فأعطته حين فرغ خمسين ديناراً ، وإنّه لم تبع المصاحف إلّاحديثاً » « 5 » . وهو دالّ أيضاً على كون السيرة في هذا الزمان حاصلة في زمانهم عليهم السلام ، فتكون أقوى من الإجماع ، ولعلّ الفقيه الماهر إذا أعطى النظر حقّه في نصوص المقام وفي الأصول والقواعد يقطع بما قلناه [ / جواز بيع المصحف ] ، خصوصاً إذا لاحظ رمزهم بقولهم عليهم السلام : « وما عملته يداه » « 6 » وقولهم : « أشتريه أحبّ إليّ من أن أبيعه » « 7 » . بل لعلّ استعمال هذه الصورة في كتب الحديث ونحوها ممّا يرجع إلى أولياء اللَّه الذين كلامهم كلام اللَّه لا يخلو من رجحان ، بل وكتب الفقه أيضاً التي يرجع ما فيها إليهم بنوع من الاعتبار . وممّا يؤيّد ما ذكرناه أيضاً ضرورة الدين على جواز بيع الكتب المتضمّنة للآيات وإن كثرت ، مع أنّ مدرك المنع لو صحّ لكان عامّاً ؛ إذ لا خصوصيّة له في المصحف ، سيّما بعد قوله في خبر عثمان بن عيسى : « لا تشتر كتاب اللَّه » « 8 » ، وفي خبر سماعة : « لا تشتر كلام اللَّه » « 9 » ، المعلوم كون المراد منه لا تشتر رسم كلام اللَّه ، من غير فرق بين قليله وكثيره ، وكونه مجموعاً أو مفرّقاً .
[ 2 ] كما أفتى به العلّامة الطباطبائي في مصابيحه « 10 » ؛ للنهي المزبور في الخبر السابق ، المعلوم قصوره ؛ لما سمعت من وجوه .
هامش
( 1 و 2 ) تقدّم في ص 381 .
( 3 ) الوسائل 17 : 159 ، ب 31 ممّا يكتسب به ، ح 4 ، وفيه : « عن روح بن عبد الرحيم » .
( 4 ) المصدر السابق : 160 ، ح 8 ، مع اختلاف .
( 5 ) الوسائل 17 : 160 ، ب 31 ممّا يكتسب به ، ح 10 .
( 6 ) المصدر السابق : 158 ، 159 ، ح 1 ، 6 ، وفيهما : « وعمل يدك بكذا وكذا » .
( 7 ) المصدر السابق : 160 ، ح 8 .
( 8 ) المصدر السابق : 158 ، ح 3 .
( 9 ) المصدر السابق : ح 2 .
( 10 ) مصابيح الأحكام : 525 ( مخطوط ) .