تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
وحينئذٍ فعمل السحر حرام لنفسه [ ولو للحلّ وغيره ] [ 1 ] . نعم لو فرض توقّف دفع مفسدة ترجّح على مفسدة عمله عليه اتّجه الجواز ، كما في غيره من المحرّمات ، مثل الكذب وشرب الخمر وغيرهما [ فيجوز عند الاضطرار ] [ 2 ] . هذا كلّه في عمله ولو للحلّ والتوقّي ودفع نبوّة المتنبّئ ونحو ذلك . أمّا تعلّمه لأنّه من العلوم أو لأنّه قد يحتاج إلى عمله ولو عند الاضطرار فالظاهر جوازه [ 3 ] ، بل ربّما يجب حيث يتوقّف الفرق بين المعجز والسحر عليه [ 4 ] . هذا كلّه في حكمه . أمّا موضوعه فعن بعض أهل اللغة : أنّه ما لطف مأخذه ودقّ « 1 » ، وعن آخر : صرف الشيء من وجهه « 2 » ، وعن
شرح
[ 1 ] كما هو مقتضى الأدلّة السابقة الدالّة على ذلك ، وعلى اقترانه بالشرك المعتضدة بالاعتبار ؛ ضرورة كونه منبع فساد مورث الشكّ في كثير من آيات اللَّه ، وموهم للشركة مع اللَّه في خلقه وفي عجائبه ، كما هو واضح ، لا أنّ حرمته حيث يترتّب الإضرار ونحوه عليه حتى يكون محرّماً لغايته فيقال : بحلّيته عند عدم الإضرار أو عند حصول النفع . [ 2 ] وربّما جمع بين ما دلّ على الحرمة والجواز في الحلّ ونحوه بذلك [ / بحمل أدلّة الجواز على الاضطرار ] ، وهو وإن كان أولى من الجمع بتنزيل أخبار الحلّ على الحلّ بغيره [ / السحر ] لبعده عن ظاهر بعضها ، لكنّه لا يخلو من بعد أيضاً ، لا لندرة الاضطرار ، فإنّ غلبة التوقف عليه فيحلّ الربط ونحوه عليه لا يكاد ينكر ، بل لعدم الإشارة في شيء من النصوص إلى مراعاة حال الاضطرار ، بل قد عرفت أنّ الصدوق أرسل كون توبة الساحر أن يحلّ ولا يعقد « 3 » ، إلّاأنّه هو وغيره ممّا عرفت خير من الطرح ، والأمر سهل . [ 3 ] وفاقاً للُاستاد في شرحه « 4 » ، بل عن تفسير الرازي : أنّه إتّفق المحقّقون على ذلك « 5 » ؛ للأصل ، ولأنّ العلم في حدّ ذاته شريف ، وأنّه خير من الجهل ، وأنّه لا يستوي من يعلم ومن لا يعلم . [ 4 ] ودعوى استلزام العلم به للمحرّم من الكفر ونحوه ممنوعة أشدّ المنع ، بل قيل : إنّه لا يخلو منه الأنبياء وأرباب المكاشفات ؛ لأنّ العلم حسن في الذات « 6 » ، والكراهة في الصناعات من الحياكة والصياغة والحجامة ونحوها ، فالخطر فيها إنّما هو باعتبار العمل ، وإلّا فعلمها خير من جهلها ، والتعلّم والتعليم بتلك النيّة [ أي نيّة العمل عند الاضطرار أو لأنّه من العلوم ] أو لتحذير نفسه أو غيره من الوقوع بالبليّة متّصف بصفة الراجحيّة ، وأصل الإباحة قاضٍ بإباحته ، ولفظ السحر والساحر والسحرة منصرف إلى عمله ، ونقل قصّة الملكين المعلّمين في القرآن لأهل هذه الملّة شاهد على حِلّ التعليم ، وعدم قصدهما الإعانة يدفع إشكال حرمتها منهما ، أو أنّهما لم يعلما العمل ممّن علّماه ، أو أنّ ذلك لهما بالخصوص جائز ، لكون نزولهما فتنة وابتلاءً ، أو غير ذلك . وما في بعض الروايات السابقة من تحريم التعلّم محمول على إرادة التعلّم الذي يتبعه العمل ، كما يومئ إليه ما فيه من كون حدّه القتل ، واللَّه أعلم .
هامش
( 1 ) القاموس المحيط 2 : 66 . ( 2 ) لسان العرب 4 : 348 . ( 3 ) تقدّم في ص 351 . ( 4 ) شرح القواعد ( كاشف الغطاء ) 1 : 249 . ( 5 ) التفسير الكبير 3 : 214 . ( 6 ) شرح القواعة ( كاشف الغطاء ) 1 : 240 .