تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
المبالغة ليس منه ، كما أنّه لا حرمة فيما كان منه لمصلحة يُرجّح مراعاتها على مراعاة تجنّب المفسدة الكائنة فيه . ولا تجب التورية حينئذٍ ولو تمكّن منها [ 1 ] . نعم ينبغي الاقتصار فيه على مقدار ما تحصل به المصلحة المفروضة ، وكالنميمة بين المؤمنين بل المسلمين [ 2 ] . فيحرم حينئذٍ التكسّب بها ، بل يحرم كلّ ما يؤخذ جزاء عنها ، بل [ الظاهر ] [ 3 ] حرمة استماعها أيضاً . وعلى كلّ حال فالمراد بها السعاية بنقل حديث كلّ إلى الآخر أو ما كان بمنزلته لإيقاع فتنة أو وحشة [ 4 ] . نعم قد تجوز أو تستحب أو تجب لإيقاع الفتنة بين المشركين ، وتقوية المتّقين على المبطلين ، والظاهر عدم اختصاصها بالأقوال ، كما أومأنا إليه سابقاً ، بل تكون بالكتابة والرمز والغمز ، وعدم اختصاصها بكون المنقول قولًا أو عيباً أو ما يقتضي نقصاً ؛ ضرورة كون حقيقتها إفشاء السرّ وهتك الستر عمّا يكره كشفه . وكيف كان فالنمّام غير ذي اللسانين والوجهين الذي يتردّد بين اثنين سيّما المتعاديين ويكلّم كلّ واحد منهما بكلام يوافقه ، وإن كان هو أيضاً « من المنافقين وشرّ عباد اللَّه تعالى » « 1 » . « وفي يوم القيامة يجعل اللَّه له لسانين من نار » « 2 » . « دالعاً أحدهما من قفاه وآخر من قدّامه يلتهبان خدّه ، ويعرف بذي اللسانين في ذلك اليوم » « 3 » . « وبئس العبد عبد همزة لمزة يقبل بوجه ويدبر بآخر » « 4 » . نعم ربّما يجتمعان [ أي النفاق والنمام ] في فرد ، كما أنّهما قد يجتمعان مع غيرهما من المعاصي السابقة وغيرها ، نعوذ باللَّه العظيم من هذه الخصال الذميمة ، وممّا يولدها من الأغراض الدنيئة والصفات الرذيلة ، ولقد تكفّل علم الأخلاق شرح دائها ودوائها وبيان كثير من أفرادها الخفيّة [ 5 ] . وكسبّ المؤمنين وشتمهم والنيل منهم لغير مصلحة ترجّح على المفسدة ، من غير فرق بين الأخيار والأشرار عدا الظالمين منهم والمتجاهرين منهم بالكبائر [ 6 ] . وكمدح المذموم بما استحقّ الذمّ عليه وذمّ الممدوح كذلك ، على
شرح
[ 1 ] للأصل وغيره . [ 2 ] التي تطابقت الأدلّة الثلاثة أو الأربعة على حرمتها . [ 3 ] [ كما ] في بعض الأخبار ما يدلّ على [ ذلك ] . [ 4 ] ولعلّها المراد بقوله تعالى :وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ« 5 » ، بل عن الصادق عليه السلام : « إنّها من السحر الذي يفرّق بين المتحابّين ، ويعادي بين المتصافّين ، ويسفك به الدماء ، ويهدم به الدور ، ويكشف به الستور ، وأنّ النمّام أشرّ من وطأ الأرض بقدم » « 6 » . [ 5 ] ولقد تصدّى ثاني الشهيدين في رسالته في المقام « 7 » لكثير من ذلك . [ 6 ] فإنّ السيرة على التقرّب إلى اللَّه بسبّهم ، وإن ورد : أنّ « سباب المؤمن فسق » « 8 » ، بل تطابقت الأدلّة الثلاثة أو الأربعة على حرمة إيذاء المؤمن وإهانته وهتك حرمته وظلمه في نفس أو مال أو عرض « 9 » .
هامش
( 1 ) الوسائل 12 : 259 ، ب 143 من أحكام العشرة ، ح 6 . ( 2 ) المصدر السابق : 256 ، 259 ، 260 ، ح 1 ، 7 ، 9 . ( 3 ) المصدر السابق : 258 - 259 ، ح 5 . ( 4 ) المصدر السابق : 258 ، ح 3 . ( 5 ) البقرة : 217 . ( 6 ) المستدرك 9 : 151 ، ب 44 من أحكام العشرة ، ح 7 ، مع اختلاف . ( 7 ) كشف الريبة ( رسائل الشهيد ) : 303 . ( 8 ) الوسائل 12 : 281 ، ب 152 من أحكام العشرة ، ح 12 . و 297 ، ب 158 ، ح 32 ، وفيهما : « فسوق » بدل « فسق » . ( 9 ) انظر الوسائل 12 : 264 - 272 ، ب 145 - 148 من أحكام العشرة .