وكيف كان فلعلّ من هذا الباب أيضاً باب الترجيح والتعديل في الرواة لأجل معرفة قبول الخبر وعدمه ، ومعرفة صلاحيّته للمعارضة وعدمها [ 1 ] .
[ ومثله الجرح في باب الشهادة ] .
ومن ذلك أيضاً ذكر المبتدعة الذين أمرنا بالوقيعة فيهم حذراً من اغترار الناس بهم . بل ربّما دخل في ذلك أيضاً نفي نسب من ادّعى نسباً ، وإن كان معذوراً أو عرف به فينفي عنه . بل ربّما وجب دفعاً للخلل في المواريث والنفقات والأنكحة وغيرها ، فيكون ذلك أحد المستثنيات إذا فرض كونه غيبة ، وقلنا بجوازه في غير مقام الشهادة والأمر بالمعروف [ 2 ] . بل من هذا الباب أيضاً ما يقع بين العلماء في بيان الصحيح من الفاسد ؛ ضرورة كونه من جملة النصح في الدين ، إلّاأنّ الإنصاف كون هذا المقام من مزالق الشيطان ، فلابدّ لمرتكب ذلك من تصحيح النيّة ، فإنّ الناقد لا يخفى عليه شيء من ذلك .
ومنها : ما يقصد به دفع الضرر عن المذموم في دم أو عرض أو مال [ 3 ] . لكن لا يخفى عليك أنّ ذلك وشبهه ليس من الغيبة في شيء ، بعد ما عرفت من اعتبار قصد الانتقاص فيها الذي به خرج باب المزح والهزل المأمور به في بعض النصوص تأكيداً للُالفة وتحقيقاً للمحبّة . إلّاأنّ ذلك كسابقه ينتقده اللَّه فإنّه ربّما صدر عن بعض الناس بصورة الهزل .
وكذا الكلام في الغيبة للتقيّة على الذام في نفس أو مال أو عرض ؛ ضرورة عدم قصد الانتقاص بها أيضاً .
ومنها : ما دخل في النهي عن المنكر ؛ لتوقّفه عليه ، فيجب الوقيعة في بعض العصاة حتى يرتدعوا عن معصيتهم ، لكن ينبغي في هذا أيضاً مراعاة الميزان [ 4 ] .
ومنها : غيبة المتجاهر بالفسق فيما تجاهر فيه وإن أحبّ الخفاء عند خصوص ذلك السامع [ 5 ] .
شرح
[ 1 ] وإلّا لانسدّ باب التعادل والتراجيح ، الذي هو أعظم أبواب الاجتهاد ، وجرت السيرة عليه من قديم الزمان ، كجريانها على الجرح في باب الشهادة . وعلى ترجيح ما دلّ على وجوب إقامتها ، على ما دلّ على حرمة الغيبة على وجه لا إشكال فيه ولا شبهة تعتريه ، وإلّا لضاعت الحقوق في الدماء والأموال وغيرها ولغلب الباطل على الحقّ .
[ 2 ] كما هو متقضى ذكر شيخنا « 1 » له في المستثنيات منها .
[ 3 ] وقد وقع الطعن منهم في زرارة « 2 » ؛ معلّلين بذلك ، ولعلّ منه من وقع في الهُشامين « 3 » .
[ 4 ] إذ مع فرض كونه من التعارض بين الأدلّة فهو من وجه ، كما هو واضح .
[ 5 ] 1 - لأنّه هو الهاتك لحرمته . 2 - وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : « من ألقى جلباب الحياء عن نفسه فلا غيبة له » « 4 » .
3 - وللسيرة المستمرّة . 4 - ولأنّ العيب بالتجاهر به صار كالمعلوم لدى كلّ أحد .
هامش
( 1 ) شرح القواعد ( كاشف الغطاء ) 1 : 228 .
( 2 ) انظر جامع الرواة ( للأردبيلي ) : 1 : 325 .
( 3 ) انظر جامع الرواة ( للأردبيلي ) 2 : 313 .
( 4 ) المستدرك 9 : 129 ، ب 134 من أحكام العشرة ، ح 3 ، وليس فيه : « عن نفسه » .