بل الورع يقتضي اجتناب جميع الأفراد المشكوك في اندراجها في موضوعه ، وإن كان الأصل يقتضي الإباحة في شبهة الموضوع ، الراجعة إلى شبهة الحكم [ 1 ] . وكيف كان فقد [ يقال ] [ 2 ] [ ب ] - ورود الرخصة في إباحة اجرة المغنية في الأعراس [ 3 ] ، ومقتضاه جواز غنائها فيه [ 4 ] .
شرح
[ 1 ] ودعوى وجوب الاجتناب هنا [ / في موارد الشكّ ] باعتبار كون الشبهة في ذلك [ / المشكوك ] للشبهة في مفهوم الموضوع لا مصداقه ، فيجب الاجتناب للمقدّمة ؛ ضرورة كونه كالتكليف بالمجمل ، يدفعها منع كون المقام من ذلك بعد معلوميّة جملة من الأفراد المحتملة ، لكون تمام ماهيّة الغناء ما اشتملت عليه فيشكّ حينئذٍ في حرمة الزائد وينفى بأصل البراءة الذي لا يعارضه حرمة الغناء المحتمل كون تمام ماهيّته ما في الأفراد المعلومة . اللهمّ إلّاأن يقال : إنّه حينئذٍ لم يحصل اليقين بتمام امتثال نهي الحرمة المتيقّن شغل الذمّة بها . وفيه منع وجوب تحصيل مثل هذا اليقين في مثل هذا الفرض ، بعد أن لا يقين بفرد محرّم في الأفراد المشتبهة كي يتّجه اجتناب الجميع من باب المقدّمة ؛ ضرورة كون أحد المحتملات إباحة جميع هذه الأفراد المشتبهة ، وانحصار الحرمة في الأفراد المعلومة ، كما هو واضح .
[ 2 ] [ كما ] ذكر غير واحد .
[ 3 ] بل نسبه بعض مشايخنا إلى الشهرة « 1 » .
[ 4 ] ضرورة التلازم بين إباحة الأجرة عليه وبين إباحته . نعم قيّده بعضهم بما إذا لم تتكلّم بالباطل ، ولم تلعب بالملاهي ، ولم تدخل عليها الرجال « 2 » ، وآخر بالأوّل والأخير « 3 » . لكن فيه : أنّ ذلك كلّه محرّمات خارجة عنه لا مدخليّة له فيها ، خصوصاً الأخير الذي قد يتوهّم أخذه من دليل الجواز وهو : 1 - قول الصادق عليه السلام في صحيح أبي بصير : « أجر المغنّية التي تزفّ العرائس ليس به بأس ، [ و ] ليست بالتي تدخل عليها الرجال » « 4 » . 2 - وقوله في خبره أيضاً حين سأله عن كسب المغنّيات : « التي يدخل عليها الرجال حرام ، والتي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس » « 5 » . لكن فيه : أنّهما خصوصاً الأخير ظاهران في المقابلة لا التخصيص ، بمعنى أنّ هذه أجرها حلال ، لا المغنّية في غير الأعراس ، وهي التي يدخل عليها الرجال لاتّخاذ مجالس اللهو . وحينئذٍ لا دلالة فيهما على أزيد ممّا في قوله في الخبر الثالث : « المغنّية التي تزفّ العرائس لا بأس بكسبها » « 6 » . على أنّه لم يعلم المراد من اللعب بالملاهي . فإن كان هو من قبيل اللعب بالدفّ ونحوه ممّا لا مدخليّة له في الغناء ، ففيه : 1 - مضافاً إلى ما عرفت من كونه محرّماً خارجيّاً وليس في الأدلّة ما يقضي بحرمة الغناء حاله [ / اللعب بالدفّ ] ، بل ظاهرها خلافه .
2 - أنّه صرّح جماعة ، كما قيل « 7 » بجواز لعبها في العرس بالدفّ الذي لا صنج فيه ولا جلاجل وإن كان هو لا يخلو من إشكال . وإن أريد به [ / اللعب بالملاهي ] ما له مدخليّة في الغناء كالصرناج والرباب والزمّار ونحو ذلك أمكن أن يكون الوجه فيه حينئذٍ اتّحاده في الخارج مع الغناء فيتّجه استثناؤه ، بل وكذا الكلام بالباطل ؛ ضرورة أنّك قد عرفت أنّ الغناء من كيفيّات الأصوات ، والكلام ليس هو إلّااللفظ ، الذي هو عبارة عن الصوت ، فمع فرض إبرازه بكلام باطل يحرم ؛ لكونهما فرداً واحداً في الخارج . والأمر في ذلك سهل ؛ إذ المراد بيان الحكم في نفسه ، فلا ينافيه اتّفاق جهة الحرمة في بعض الأفراد .
هامش
( 1 ) شرح القواعد ( كاشف الغطاء ) 1 : 199 .
( 2 ) القواعد 2 : 8 .
( 3 ) النهاية : 367 .
( 4 ) الوسائل 17 : 121 ، ب 15 ممّا يكتسب به ، ح 3 .
( 5 و 6 ) المصدر السابق : 120 ، 121 ، ح 1 ، 2 .
( 7 ) مفتاح الكرامة 4 : 53 .