والتحقيق الرجوع في موضوعه إلى العرف الصحيح الذي لا ريب في شمولهللمقامات المعلومة ، وشعبها المعروفة عند أهل فنّها .
بل لا ريب في تناوله لغير ذلك ممّا يستعمله سواد الناس من الكيفيّات المخصوصة .
شرح
ومدّه » « 1 » . وعن الشافعي : أنّه تحسين الصوت وترقيقه « 2 » . وفي محكيّ النهاية : « أنّ كلّ من رفع صوتاً ووالاه فصوته عند العرب غناء » « 3 » . وعن السرائر والايضاح : أنّه الصوت المطرب « 4 » . وعن بعض أنّه مدّ الصوت « 5 » . وعن المصباح المنير : أنّه الصوت « 6 » . إلى غير ذلك من كلمات أهل اللغة التي يقطع الماهر بملاحظتها بكون المراد منها بيان أنّ الغنى من هذا الجنس نحو قولهم : سعدانة نبت ؛ ضرورة عدم خلوّ غالب الأصوات في قراءة القرآن والأدعية والخطب والشعر في جميع الأعصار والأمصار من العلماء وغيرهم ، من تحسين ومدّ وترجيع في الجملة ، كما لا يخفى على من له أدنى معرفة وإنصاف . فيعلم كون المراد كيفيّة خاصّة منها موكولة إلى العرف ، كما هي العادة في بيان أمثال ذلك . نعم لا عبرة بعرف عامّة سواد الناس فإنّه الآن مشتبه قطعاً ؛ لعدّهم الكيفيّة الخاصّة من الصوت في غير القرآن والدعاء وتعزية الحسين عليه السلام غناء ونفى ذلك عنها فيها ، وما ذاك إلّا لاشتباهه للقطع بعدم مدخليّة خصوص ألفاظ فيه ؛ لما عرفت أنّه كيفيّة خاصّة للصوت بأيّ لفظ كان . ودعوى التزام جواز ذلك فيها [ / قراءة القرآن ونحوه ] وإن كان غناء في غيرها ؛ لإطلاق ما دلّ « 7 » على الأمر بها الشامل لهذه الكيفيّة الخاصّة ، بل جاء في خصوص القرآن الأمر بالتغنّي فيه ، وما يقضي بجواز الغناء فيه واضحة الفساد ؛ لمعلوميّة تحكيم النهي في أمثال ذلك ، وليس من تعارض العموم من وجه المحتاج إلى ترجيح ، بل فهم أهل العرف كافٍ فيه نحو العامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد ، وإلّا لتحقّق التعارض من وجه بين ما دلّ على قضاء حاجة المؤمن مثلًا ، والنهي عن اللواط والزنا والكذب وغيرها من المحرّمات ، المعلوم بطلانه بضرورة الشرع ، أنّه لا يطاع من حيث يعصى . وما ورد في خصوص القرآن - ممّا لا ريب في قصوره عن معارضة ما دلّ على الحرمة من وجوه ، - مطرح ، أو مأوّل ، أو موضوع ، خصوصاً بعد قوله عليه السلام : « اقرأوا القرآن بألحان العرب وإيّاكم ولحون أهل الفسوق » ، فإنّه سيجيء قوم يرجّعون القرآن ترجيع الغناء » « 8 » . نعم قد يحتمل إرادته اختصاص الغناء بالصوت المشتمل على التحسين بالمدّ والترجيع المتّخذ للّهو وانشراح النفس والطرب ، كما عساه يومئ إليه « لهو الحديث » وأخذ الطرب في تعريفه ، ومعروفيّة مجالس الغناء بذلك ، بعد العلم بعدم زيادتها في المدّ والترجيع على ما يستعمل في غيرها ، ممّا لم يرد به اللهو كالتعزية والأذان وغيرهما ، وقد يؤيّد بما ذكر في استثناء النوح منه من أنّه ليس داخلًا في موضوعه باعتبار مقابلة النوح له عرفاً ، وما ذاك إلّالعدم اتّخاذ اللهو به .
لكنّه أيضاً لا يخلو من إشكال ؛ ضرورة عدم اعتبار ذلك [ / إتّخاذ اللهو ] في حقيقته ، وإن تعارف استعماله في مجالس اللهو ، وإلّا فربّما كان من أفراد الغناء الأصوات المشجية والمثيرة للحزن والبكاء ، كما يستعمله العشّاق في فقد المحبوب وعدم نيل المطلوب ، وهو مع ذلك نوع من الطرب ، ولذا حكي عن القاموس « 9 » التصريح بفساد وهم من خصّ الطرب بالسرور ، وأنّه قول العوام .
هامش
( 1 ) القواعد 3 : 495 . انظر مصباح المنير : 307 .
( 2 ) المجموع 20 : 231 .
( 3 ) النهاية ( لابن الأثير ) 3 : 391 . المصباح المنير : 454 .
( 4 ) حكا عنهما في مفتاح الكرامة 4 : 50 . وانظر السرائر 2 : 215 . وأمّا الايضاح فالمراد به « ايضاح النافع » ولا يوجد عندنا .
( 5 ) حكاه في مفتاح الكرامة 4 : 50 . ومستند الشيعة 14 : 124 .
( 6 ) النهاية ( لابن الأثير ) 3 : 391 . المصباح المنير : 454 .
( 7 ) الوسائل 6 : 212 ، ب 24 من قراءة القرآن ، ح 5 ، 6 .
( 8 ) المصدر السابق : 210 ، ح 1 ، وفيه : « الفسق » بدل « الفسوق » .
( 9 ) القاموس المحيط 1 : 97 .