بل قد يقال بجواز الصلح عن إسقاط الدعوى بيمين المنكر مثلًا [ 1 ] .
وإن كان لا يخلو من نظر فيما لو علم المدّعي عمد المنكر على اليمين الكاذبة [ 2 ] .
شرح
[ 1 ] فإنّ القضاء فيه من خواصّ الحاكم لا ما إذا اندرج في معاملة لا فرق فيها بين الحاكم وغيره ، فجائز كالصلح بمال ونحوه .
[ 2 ] و [ أمّا ] جواز تحليفه في مجلس الحكومة وإن علم بعمده إلى الكذب في اليمين [ ف ] - للأدلّة على ذلك [ / على الجواز ] ، وعلى سقوط الدعوى بها حينئذٍ ، وإنّها ذهبت بما فيها حتى لو استعمل التورية عند فعله ، فإنّ المدار على قصد من له اليمين دونه كما حرّرناه في محلّه .
ومن ذلك يظهر لك : النظر فيما قيل من : « أنّ للناس بطريق الاحتياط وطريق الصلح غنىً عن المجتهد في أغلب الفتاوى والأحكام ، ويسهل الخطب على من لم يبلغ رتبة الاجتهاد من عالم وحاكم عادل أو ظالم إذا شهدت عنده البيّنة العادلة بثبوت الحقّ ، فإنّ له الحكم على المشهود عليه بالتسليم كما لو علم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
بل لو لم تكن بيّنة وطلب المدّعي اليمين أو ردّه المنكر عليه أمكن ذلك أيضاً لغيره بإيقاع الصلح بين المنكر والمدّعي بإسقاط الدعوى باليمين أو ثبوتها بيمين الردّ ، فتخرج المسألة عن حكم المرافعات التي يختصّ ثبوت الدعوى أو سقوطها فيها باليمين عند الحاكم ، وتدخل في قسم المعاملات التي يستوي فيها الخواصّ والعوامّ .
ودعوى أنّ ذلك داخل في الصلح على الحرام فلا يصحّ مردودة : بأنّ ذلك مسدود في باب الأحكام وإلّا لم يجز لمدّعٍ - يعلم ثبوت حقّه على المنكر - تحليفه ، ولا للمنكر الردّ مع علمه بكذب المدّعي » « 1 » .
إذ لا يخفى عليك ما في الأخير بعد ما عرفت ، بل لا يخلو إيكال الاكتفاء بالبيّنة إلى الظلمة والفسّاق وأهل الأغراض الفاسدة - مع عدم معرفتهم العدالة وعدم معرفتهم معنى الشهادة وكيفيّتها ومعنى الجرح وغير ذلك من الأمور التي لا يحسنها إلّاالماهر - من فساد عظيم بل قد يؤول إلى الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف .
نعم لا بأس بما يجوز منه للعارف وإن لم يصل إلى رتبة الاجتهاد .
كلّ ذلك بعد الإغضاء عن الإشكال في كون الدعوى من الحقوق التي تقابل - إثباتاً وإسقاطاً - بمال ، وإنّما هي من قبيل الأحكام ولذا لا تسقط بالإسقاط . واشتهار الصلح عن إسقاطها [ / الدعوى ] بمال مرجعه إلى الصلح على المدّعى به بزعم المدّعي ، لا عن إسقاطها ، ولذا يحرم عليه المال لو كان عالماً بعدم مال له مثلًا عند المنكر ، ولكن يكون الصلح قاطعاً للدعوى على زعم المدّعي نحو شراء من اعترف بحرّية عبد من يد من يدّعي ملكيّته ، فإنّ فائدته تمحّض العبد للحريّة وقطع دعوى الملكيّة . واحتمال التزام القائل في الفرض بأنّه صلح أيضاً عن مال المدّعي بزعمه الذي هو عند المنكر بأن يحلف باللَّه كذباً أنّه ليس له كما ترى لا يرجع إلى محصّل ، خصوصاً إذا فرض في غير حال الدعوى بأن يصالحه على مال معلوم أنّه له بالحلف باللَّه كذباً على قيام زيد مثلًا .
ودعوى اغتفار نحو ذلك في خصوص الدعاوى مسلّم « 2 » بالنسبة إلى أحكامها - كيمين الإنكار والردّ في مجلس الحكومة - لا في مثل عقد الصلح الذي يراد به إخراجها عن حكم الدعاوي واندراجها في حكم العقود التي لا فرق فيها بين المجتهد وغيره ، واللَّه العالم .
هامش
( 1 ) كشف الغطاء 4 : 431 .
( 2 ) الأولى التعبير ب « - مسلّمة » .