. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
إلّا أن يقال : إنّ مقتضى الآية وجوب الجهاد بالمال على الإطلاق أي سواء جاهد بنفسه مع ذلك أو كان عاجزاً ، خرج عنه الصورة الأولى بالإجماع ، فتبقى الثانية . ولكن ذلك لا يقتضي الاستنابة المفروضة ، بل يمكن أن يكون المراد معونة المجاهدين بماله في الخيل والسلاح والظَّهر والزاد وسدّ الثغر ، كما عن ظاهر الحلبي إيجاب ذلك على المعذور الغنيّ « 1 » .
اللهمّ إلّاأن يقال بأولويّة التقييد الأوّل ؛ لندرة القول بالثاني بعد الإجماع على عدم وجوب الأعمّ منهما ، ولأنّ الاستنابة أقرب المجازات ؛ لصدق الجهاد بالمال من ذلك ، خصوصاً بعد كون فعل النائب فعل المنوب عنه . إلّاأنّ ذلك كلّه كما ترى تهجّس في تهجّس ، وليس بأولى من القول بأنّ المراد من الأمر القدر المشترك بين الوجوب والندب . وإن كان قد يقال : إنّ الأوّل تقييد ، وهذا مجاز ، والأوّل أولى . على أنّه لم نعلم قائلًا برجحان الاستنابة في حال القدرة على الجهاد بالنفس ، إلّاأنّ مرجعه أيضاً إلى التهجّس المزبور الذي يمكن معارضته بإرادة ما ينفقه المجاهد من المال حال الجهاد بالنفس أو غير ذلك .
وبالجملة لا دلالة فيها واضحة على المطلوب [ أي وجوب الاستنابة ] نحو الاستدلال بقاعدة عدم سقوط الميسور بالمعسور ، بل وبما سمعته من آية التعاون والأمر بالجهاد حقّ الجهاد « 2 » ، الذي لا يخفى ما فيه . خصوصاً الأخير المحتمل اموراً متعدّدة خارجة عمّا نحن فيه من الجهاد بمعنى المقاتلة ، فالأصل حينئذٍ بحاله . ولكن يسهّل الخطب في المسألة ما في الرياض ، فإنّه قال بعد ذكر المسألة : « ثمّإنّ هذا إذا لم يحتج إلى الاستنابة بأن يعجز القائمون بدونها ، وإلّا فيجب قولًا واحداً » « 3 » وظاهره فرض الخلاف حال عدم الاحتياج ، ومن المعلوم سقوط الواجب كفاية بذلك ، وحينئذٍ فيرتفع الخلاف .
ولعلّه لذا قال في غاية المراد بعد ذكر الخلاف وأدلّة الطرفين : « ولقائل أن يقول : الخلاف مرتفع ؛ لأنّ الجهاد فرض كفاية إجماعاً من المسلمين إلّامن شذّ ، والتكليف به مشروط بعدم ظنّ الاكتفاء به ، فإن حصل الشرط وجب قطعاً بالنفس والمال بطريق أولى ، وإن انتفى سقط قطعاً ، وإن احتيج إلى غزو أحد وهناك مؤسر ومعسر وجب على المؤسر أحد الأمرين : إمّا الخروج بنفسه أو تجهيز المعسر ، وكذا لو كان أكثر وفرض المؤسرين والمعسرين ، وقد نبّه في المختلف على شيء من ذلك » « 4 » .
ولعلّه أشار إلى ما ذكره فيه فإنّه بعد أن ذكر ترجيح القول بعدم الوجوب قال : « نعم لو احتيج إلى الاستنابة بأن يعجز القائمون وجبت » « 5 » . ولكن عن الكركي في جامعه أنّه قال : « وعبارة المختلف تدلّ على الوجوب إذا كان محتاجاً إليه وعدمه مع عدم الحاجة وهو مشكل ، فإنّ الوجوب كفائي والدليل فيه جارٍ أيضاً » « 6 » . قلت : قد يقال : إن لم يكن إجماع إنّ القائل بالسقوط عن المعذور لا يوجب الاستئجار عليه ولو مع الحاجة كما لا يجب عليه نفسه ، والقائل بالوجوب يريد الوجوب كفاية ، على معنى أنّه إن فعل كان ممّن قام بالواجب وإن لم يحتج إليه ، وإلّا لم يكن كذلك ، وإن لم يكن مأثوماً مع فرض قيام الغير به ، نعم لو لم يقم به الجميع أثم الجميع . وكأنّه لذا قال في المسالك : « الأقوى وجوب الاستئجار مع الحاجة إليه أو أمر الإمام له بذلك ، وإلّا فلا ؛ لأصالة البراءة ، فيكون الاستئجار واجباً كفائيّاً كما يجب النهوض على القادر » « 7 » . ولعلّ هذا هو الأصح .
هامش
( 1 ) الكافي : 246 .
( 2 ) المائدة : 2 . الحجّ : 78 .
( 3 ) الرياض 7 : 450 .
( 4 ) غاية المراد 1 : 477 .
( 5 ) المختلف 4 : 386 .
( 6 ) جامع المقاصد 3 : 372 .
( 7 ) المسالك 3 : 15 - 16 .