. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
ب - وعن الأصبغ : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمل لمّا قتل طلحة والزبير وقبض على عائشة وانهزم أصحاب الجمل نادى مناديه لا تجهزوا على جريح ، ولا تتبعوا مدبراً ، من ألقى سلاحه فهو آمن ، ثمّ دعا ببغلة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم الشهباء فركبها ، ثمّ قال :
« تعال يا فلان وتعال يا فلان حتى جمع إليه زهاء من ستّين شيخاً ، كلّهم من همدان قد تنكّبوا الترسة وتقلّدوا السيوف ولبسوا المغافر ، فسار - وهم حوله - حتى انتهى إلى دار عظيمة فاستفتح ففتح له ، فإذا هو بنساء يبكين بفناء الدار ، فلمّا نظرن إليه صحن صيحة واحدة وقلن : هذا قاتل الأحبة ، فلم يقل لهنّ شيئاً ، وسأل عن حجرة عائشة ففتح له بابها وسمع منها كلام شبيه بالمعاذير لا واللَّه وبلى واللَّه ، ثمّ خرج فنظر إلى امرأة أدماء طويلة فقال لها : يا صفية فأتته مسرعة ، فقال : ألا تبعّدين هؤلاء الكلبات يزعمن أنّي قاتل الأحبة ؟ ! ولو كنت قاتل الأحبة لقتلت من في هذه الحجرة ومن في هذه وأومأ إلى ثلاث حجر ، فذهبت إليهن وقالت لهنّ ، فما بقيت في الدار صائحة إلّاسكتت ولا قائمة إلّاقعدت ، قال الأصبغ : وكان في إحدى الحجر عائشة ومن معها من خاصّتها ، وفي الأخرى مروان بن الحكم وشباب من قريش ، وفي الأخرى عبد اللَّه بن الزبير وأهله ، فقيل للأصبغ : فهلّا بسطتم أيديكم على هؤلاء فقتلتموهم ؟ ! أليس هؤلاء كانوا أصحاب القرحة فلِمَ استبقيتموهم ؟ قال : قد ضربنا واللَّه بأيدينا إلى قوائم سيوفنا وحدّدنا أبصارنا نحوه لكي يأمرنا فيهم بأمر ، فما فعل وأوسعهم عفواً « 1 » .
ولعلّه لهذه النصوص ونحوها قال الشيخ وابنا إدريس وحمزة فيما حكي عنهم : إنّه يعتبر في جريان حكم البغاة كونهم في منعة وكثرة لا يمكن كفّهم وتفريق جمعهم إلّابالإنفاق وتجهيز الجيوش والقتال ، فأمّا إن كانوا نفراً يسيراً كالواحد والاثنين والعشرة - وكيدهم ضعيف لم يجر عليهم حكم أهل البغي « 2 » ، وهو المحكي عن الشافعي « 3 » .
مستدلّين عليه بأنّ ابن ملجم لما جرح عليّاً عليه السلام وقبض عليه أوصى أمير المؤمنين عليه السلام بالإحسان إليه ، وقال : « إن برئت فأنا أولى بأمري وإن متّ فلا تمثّلوا به » « 4 » .
ولكن عن بعض الجمهور جريان حكم البغاة حتى على الواحد إذا خرج بالسيف « 5 » .
بل في المنتهى وعن التذكرة أنّه قوي « 6 » ، بل قيل : إنّه مقتضى إطلاق المتن [ أي الشرائع ] والقواعد « 7 » والإرشاد « 8 » وغيرها .
وإن كان قد يناقش بانسياق غير ذلك من الإطلاق المزبور خصوصاً بعد ذكرهم « الفئة » ونحوها ممّا يظهر منه الاجتماع المعتدّ به ، ولا أقلّ من الشك ، فيبقى الأصل حينئذٍ بحاله .
هامش
( 1 ) المستدرك 11 : 51 ، ب 22 من جهاد العدوّ ، ح 1 .
( 2 ) المبسوط 7 : 264 . السرائر 2 : 15 . الوسيلة : 205 .
( 3 ) المجموع 19 : 197 .
( 4 ) الوسائل 29 : 127 ، ب 62 من القصاص في النفس ، ح 4 .
( 5 ) المغني ( لابن قدامة ) 10 : 49 .
( 6 ) المنتهى 2 : 983 ( حجريّة ) . التذكرة 9 : 407 .
( 7 ) القواعد 1 : 522 .
( 8 ) الإرشاد 1 : 351 .