بخلاف عقد الهدنة الّذي هو تابع للمصلحة [ 1 ] . ويجب الردّ إلى مأمنهم إذا فرض صيرورتهم بالهدنة بين المسلمين ، أمّا إذا لم يكونوا كذلك بل كانوا باقين على منعتهم وقوّتهم غزاهم بعد الإعلام . ولو نقض بعضهم العقد دون البعض جرى على الناقض حكم الحربي دون غيره ، وإذا أراد الإمام غزوهم ميّزهم عنهم . وكذا الحكم لو خاف الخيانة من بعض دون آخر نبذ إليه عهده . ولو تاب الناقض ف [ - قد يقال ] [ 2 ] [ ب ] - قبوله ، ولا بأس به . وكيف كان ف [ - ما هو حكم عقد الهدنة ؟ ] [ 3 ] .
شرح
[ 1 ] على أنّ عقد الذمّة بعوض وهو الجزية ، بخلاف عقد الهدنة الذي لم يلزمه العوض ، على أنّه منقطع ، بخلاف عقد الذمّة فإنّه للأبد .
[ 2 ] [ كما ] عن الإسكافي « 1 » .
[ 3 ] ظاهر المتن أنّها جائزة في جميع أحوالها على معنى عدم وجوبها بحال ، كما هو صريح المنتهى ومحكي التحرير والتذكرة « 2 » ، جمعاً بين ما دلّ « 3 » على الأمر بها المؤيّد بالنهي عن الإلقاء باليد في التهلكة « 4 » ، وبين الأمر « 5 » بالقتال حتى يلقى اللَّه شهيداً ، بحمل الأوّل على الرخصة في ذلك ، ومنها ما وقع من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والحسن عليه السلام ، كما أنّ من الثاني ما وقع من الحسين عليه السلام ، ومن النفر الّذين وجّههم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذيل وكانوا عشرة « 6 » فقاتلوا حتى قتلوا ولم يفلت منهم إلّاخبيب . فإنّه أسر وقتل بمكّة « 7 » ، إذ القتل في سبيل اللَّه ليكون من الشهداء الّذين هم أحياء عند ربّهم يرزقون ليس من الإلقاء في التهلكة ، كما سمعته في حرمة الفرار من الزحف . لكن في القواعد يجب على الإمام الهدنة مع حاجة المسلمين إليها « 8 » . ويمكن إرادته من المتن بحمل الجواز فيه على المعنى الأعمّ ، وهو ما عدا الحرام ، فيشمل الواجب حينئذٍ في الفرض المزبور ؛ ترجيحاً لما دلّ على وجوب حفظ النفس والإسلام من عقل ونقل مقتصراً في الخروج منهما على المتيقّن كالفرار من الزحف ونحوه . وما وقع من الحسين عليه السلام - مع أنّه من الأسرار الربّانيّة والعلم المخزون - يُمكن أن يكون لإنحصار الطريق في ذلك ، علماً منه عليه السلام أنّهم عازمون على قتله على كلّ حال ، كما هو الظاهر من أفعالهم وأحوالهم وكفرهم وعنادهم . ولعلّ النفر العشرة كذلك أيضاً ، مضافاً إلى ما ترتّب عليه من حفظ دين جدّه صلى الله عليه وآله وسلم وشريعته وبيان كفرهم لدى المخالف والمؤالف . على أنّه له تكليف خاص قد قدم عليه وبادر إلى إجابته ، ومعصوم من الخطأ لا يعترض على فعله ولا قوله . فلا يُقاس عليه من كان تكليفه ظاهر الأدلّة والأخذ بعمومها وإطلاقها مرجّحاً بينها بالمرجّحات الظنّية الّتي لا ريب في كونها هنا على القول بالوجوب . على أنّ النهي عن الإلقاء لا يفيد الإباحة ، بل يفيد التحريم المقتصر في الخروج منه على المتيقّن ، وهو حيث لا تكون مصلحة في الهدنة ، وحب لقاء اللَّه تعالى وإن كان مستحسناً ولكن حيث يكون مشروعاً . والكلام فيه في الفرض الّذي هو حال الضرورة ، والمصلحة الّتي قد ترجّح على القتل ولو شهيداً الّذي قد يُؤدّي إلى ذهاب بيضة الإسلام وكفر الذريّة ونحو ذلك . ولعلّه لذا ربّما فصّل بين الضرورة والمصلحة ، فأوجبها في الأوّل ، وجوّزها في الثاني ، ولا باس به ، فإنّ دعوى الوجوب على كلّ حال كدعوى الجواز كذلك في غاية البعد .
هامش
( 1 ) نقله في المنتهى 2 : 980 ( حجرية ) .
( 2 ) المنتهى 2 : 974 ( حجريّة ) . التحرير 2 : 217 . التذكرة 9 : 352 ، 358 .
( 3 و 4 ) الأنفال : 61 . البقرة : 195 .
( 5 ) البقرة : 190 . محمّد صلى الله عليه وآله وسلم : 4 .
( 6 ) في بعض المصادر : « ستة » .
( 7 ) السيرة النبوية ( لابن هشام ) 3 : 178 .
( 8 ) القواعد 2 : 516 .