. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
واحداً يعني الإمام عليه السلام » « 1 » .
فإذا عرفت ذلك يمكن أن يكون المراد من « ذوا عدل » النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليه السلام على معنى الاجتزاء بحكم أحدهما ، وأنّ المراد من « الحكم » بيان المثل للمقتول من الصيد ، وهو حينئذٍ ما ذكره الفقهاء في كتبهم من الخمسة أو العشرة ، فتكون الآية دليلًا على اعتبار النصّ الشرعي في المثلية ، لا أنّه منوط بنظر العدلين من سائر الناس كما توهّمه بعض العامّة ، حتى أنّه جعل الآية من الأدلّة على جواز القياس « 2 » .
وفي دعائم الإسلام بعد أن ذكر الآية « ذو عدل » قال : « هكذا يقرؤها أهل البيت عليهم السلام « ذو عدل » على الواحد ، وهو الإمام عليه السلام أو من أقامه الإمام ، وقد روينا أنّ رجلًا من أصحاب أبي عبداللَّه عليه السلام وقف على أبي حنيفة وهو في حلقة يفتي الناس وحوله أصحابه فقال : يا أبا حنيفة ما تقول في محرم أصاب صيداً ؟ قال : عليه الكفّارة ، قال : ومن يحكم عليه بها ؟ قال أبو حنيفة : « ذوا عدل » كما قال اللَّه تعالى ، قال الرجل : فإن اختلفا ، قال أبو حنيفة : يتوقّف عن الحكم حتى يتّفقا ، قال الرجل :
فأنت لا ترى أن تحكم في صيد قيمته درهم وحدك حتى يتّفق معك آخر وتحكم في الدماء والفروج والأموال برأيك ، فلم يحر أبو حنيفة جواباً غير أن نظر إلى أصحابه فقال : مسألة رافضي . وفي قوله : « يتوقّف عن الحكم » إبطال للحكم ؛ لأنّا لم نجدهم اتفقوا على شيء من الفتيا إلّاوقد خالفهم فيه آخرون . ولمّا علم أصحاب أبي حنيفة بفساد هذا القول قالوا : يؤخذ بحكم أقلّهما قيمة ؛ لأنّهما قد اتفقا على الأقلّ ، وهذا قول يفسد عند الاعتبار ، وإنّما يكون ما قالوه على قياسهم لو كانت القيمة بدنانير أو دراهم وما هو في معناهما ، فيقول أحدهما : قيمته خمسة ويقول الآخر : عشرة ، فكأنّهما اتّفقا على خمسة عندهم ، وليس ذلك باتّفاق بالحقيقة ؛ لأنّه إذا جزى بخمسة لم يكن عند من قال بعشرة جزاء ، مع أنّ جزاء الصيد يكون بأعيان متفرّقة من النعم ، ويكون بإطعام مساكين ، ويكون بصوم ، وليس في هذا شيء متّفق فيه على الأقلّ ، ولا يكون قد جزى عند كلّ واحد منهما إلّاأن يجزى بما أمره به إن اتّفق فيه قوم وخالفهم آخرون ، وهذا بيّن لمن تدبّره ووُفّق لفهمه » « 3 » .
قلت : لعلّ أصحاب أبي حنيفة بنوا ذلك على المحكي من مذهب أبي حنيفة من إرادة القيمة من المماثلة في الآية ، فالاختلاف فيها حينئذٍ من الاختلاف في شغل الذمّة بالأقلّ والأكثر ، يثبت الأقلّ وينفى الزائد بالأصل .
ولكن فيه : أنّ الفرض أشبه شيء بقاعدة وجوب البراءة اليقينية من الشغل اليقيني ، ومن هنا حكي عن بعضهم وجوب « 4 » الأزيد ، وعلى كلّ حال فهو كما ترى ؛ ضرورة عدم مورد له ، كضرورة ، ذلك على تقدير تفسيرها بإرادة شهادة العدلين كما سمعته من بعض أصحابنا . ومن العجب أنّ جماعة من الخاصّة رووا قراءة السيدين الإمامين المعصومين من الزلل ذو عدل وأنّه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام عليه السلام من بعده ، ثمّ يذكرون بعد ذلك من التفسير ما ينافيه ، مع أنّه لا مورد له ، بل العامة قد حكوا قراءتهما عليهما السلام كذلك ، فلا بّد حينئذٍ من اتباعهما وإرجاع قراءة ذوي عدل إليها على الوجه الذي ذكرناه ، واللَّه العالم .
هامش
( 1 ) المصدر السابق : ح 198 .
( 2 ) الفصول في الأصول ( للجصاص ) 4 : 38 .
( 3 ) دعائم الإسلام 1 : 306 .
( 4 ) المبسوط ( للسرخسي ) 4 : 82 .