. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
وأمّا عبارة السرائر فالتدبّر فيها يقتضي إرادة بيان الركن من الوقوف وإن أطلق عليه اسم الواجب ، وأنّه لا يجب غير ذلك من الصلاة والدعاء ونحوهما ، نحو ما وقع عن التذكرة ، فإنّه - بعد أن ذكر المجيء إلى الموقف بعد الصلاة والتشاغل بالدعاء - قال : « إذا عرفت هذا فهذه الأدعية وغيرها ليست واجبة ، وإنّما الواجب اسم الحضور في جزء من أجزاء عرفة ولو مجتازاً مع النيّة » « 1 » .
وكذا في القواعد فإنّه - بعد أن ذكر في الأحكام أنّ الوقوف ركن وذكر حكم الناسي ومن فاته الاختياري - والاضطراري - قال :
« والواجب ما يطلق عليه اسم الحضور وإن سارت به دابته مع النيّة » « 2 » ، وأمّا عبارة المرتضى فهي على حسب تلك العبارات ، وعبارة المنتهى يمكن أن تكون في الدلالة على خلاف ذلك أظهر منها فيه ، خصوصاً قوله : « والأمر للوجوب » ومثله عبارة التذكرة التي قد عرفت الحال فيها ، بل لعلّ قول الأكثر في الواجبات « إنّ منها الكون إلى غروب الشمس » مع قولهم : « إنّ وقت الاختيار من زوال الشمس إلى غروبها » وقولهم : « يحرم الإفاضة قبل الغروب » ظاهر في إرادة الوجوب من الزوال إلى الغروب ، وإلّا فلا وجه لوجوب المسمّى وحرمة الإفاضة قبل الغروب التي يحصل معها المسمّى ؛ ضرورة اقتضاء ذلك واجبين لا دليل عليهما . وفي دعائم الإسلام عن جعفر بن محمّد عليهما السلام : « يقف الناس بعرفة يدعون ويرغبون ويسألون اللَّه تعالى من كلّ فضله وبما قدروا عليه حتى تغرب الشمس » « 3 » .
وكأنّه لذلك نسب في المدارك إلى الأصحاب الوجوب من أوّل الزوال ؛ إذ ليس لهم إلّاهذه العبارات إلّامن صرّح منهم بذلك كالشهيدين والكركي والمقداد ، بل يمكن القطع بفساد القول بالاجتزاء اختياراً - في وقوف عرفة ركنه وواجبه - بالوقوف بعد غيبوبة القرص إلى ذهاب الحمرة المشرقيّة ؛ لأنّه جامع لامتثال الأمر بالمسمّى والنهي عن الإفاضة قبل الغروب ، كما أنّه يمكن القطع - من التأمّل في النصوص والفتاوى - بوجوب الكون في عرفة من زوال الشمس إلى غروبها ، وأنّه المراد من حرمة الإفاضة قبل غروبها ، كما أنّه كاد يكون صريح ما سمعته من المقنع فضلًا عمّن عبّر بالكون إلى الليل .
بل لعلّ عدم ذكر الابتداء في قولهم : « والكون إلى الغروب » إتكالًا على معلوميّته وعلى ما يذكرونه من كون وقت الاختيار من زوال الشمس إلى غروبها ، وأنّ الركن منه المسمّى .
وبالجملة هو من البديهيّات عند التأمّل .
نعم في المختلف : « قال الشيخ في الخلاف : الأفضل أن يقف إلى غروب الشمس في النهار ، ويدفع من الموقف بعد غروبها ، فإن دفع قبل الغروب لزمه دم . والكلام فيه يقع في موضعين : الأوّل : أنّ عبارته هذه توهم جواز الإفاضة قبل الغروب ، ولا خلاف بيننا أنّه يجب إلى الغروب ولا يجب قبله » إلى أن قال : « وبالجملة فالمسألة إجماعيّة ، ويمكن أن يحمل قول الشيخ على أنّ اللّبث في الموقف إلى الغروب من وقت ابتدائه مستحب ، فإنّه لو دفع قبل الغروب ثمّ عاد إلى الموقف أجزأه ، وأنّ الأفضل أن يقف إلى الغروب ثمّ يدفع في أوّل الليل ولا يقف بعده ، وكأنّه قصد الثاني » « 4 » .
هامش
( 1 ) التذكرة 8 : 182 .
( 2 ) القواعد 1 : 435 - 436 .
( 3 ) دعائم الإسلام 1 : 320 . المستدرك 10 : 27 ، ب 14 من إحرام الحج ، ح 9 .
( 4 ) المختلف 4 : 245 - 246 .