مكتبة قريبة ليختار ل - ه ما يحبّ من كتب الفتيان المناسبة لعمره ، حرصاً من والدته على توسيع مداركه وتثقيفه ، فاختار بنفسه مجموعة منوّعة من الكتب ، علميّة وتاريخيّة وأدبيّة ودينيّة ، ولم تكن والدته ملتفتة في تلك الدقائق أثناء انشغاله بمطالعة عناوين الكتب ، إلّا أنّ صاحب المكتبة كان يرقبه وهو منشغل بالمطالعة واختيار ما يحبّ من تلك الكتب المصفوفة على الرفوف . فلما توجّهوا إليه بتلك المجموعة المختارة لأجل المحاسبة فوجئت به يكيل المديح لابنها ، ويقدّم ل - ه مجموعة من الأقلام ، ويضعها فوق تلك الكتب هديّةً ل - ه لنباهته وحسن اختياره .
والدة السيّد الصدر ( رحمة الله ) : في الفترة اللاحقة وراء زواج البنت الثانية ، صارت صحّة والدة السيّد الصدر تتردّى أكثر يوماً فيوماً ، وبدأت تُكثر من الدعاء بالفرج ، وتحنّ إلى لقاء الأحبّة ، كانت حينها قد شارفت على السادسة والثمانين . في يومٍ من تلك الأيام التي سبقت وفاتها بقليل التفتت إليها أم جعفر ، وتنبّهت إلى أنّ الضعف والوصب والخور قد منعها من التحمّم لعدّة أيّام ، فقامت وأدخلتها الحمام وأشرفت على تنظيفها وتحميمها ، ولم تدعها تخرج إلّا كالفضّة البيضاء . ولم تمض بعد ذلك ثلاثة أيّام حتّى أسلمت الروح لبارئها الكريم ، [ وكان ذلك سنة 1986 م ] « 1 » .
وقد نقل الشيخ النعماني عن السيّد محمّد جعفر الصدر أنّه عندما توفّيت الحاجّة بتول ( رحمة الله ) نقلوا جثمانها إلى النجف الأشرف لتدفن في مقبرة السيّد عبد الحسين شرف الدين التي تقع على الجانب الأيسر للخارج من الصحن الشريف باتّجاه شارع الطوسي ، فهيّأوا لها مكاناً داخل المقبرة إلى جانب ولدها السيّد إسماعيل الصدر ( رحمة الله ) وفي أثناء الدفن سقط الجدار الفاصل بين قبرها وقبر ولدها فوجدوا جسده ( رحمة الله ) على حاله لم يتغيّر ولم يتبدّل « 2 » .
محمّد جعفر : استشهد السيّد الصدر ( رحمة الله ) وكان السيّد جعفر في العاشرة من عمره قد أنهى الصف الرابع الابتدائي ، فأكمل دراسة المرحلة الابتدائيّة داخل البيت تحت الحصار ، حيث جلبوا ل - ه كتباً بالحيلة ، واستطاع تقديم امتحان المرحلة ككلّ في مدارس الكاظميّة . ثمّ واصل دراسته بتلك الطريقة ، وأنهى المرحلة المتوسّطة ثمّ الثانوية في المراحل اللاحقة ، وهو في ذلك كلّه تلّقى دروسه بنفسه ، وكان يقدّم الامتحانات النهائيّة في إحدى المدارس . حتّى استطاع فيما - بعد الثانويّة - أن يلتحق بكليّة الحقوق ، ودرس فيها السنة الأولى ، ثمّ توجّه بعد ذلك إلى الحوزة العلميّة لمواصلة طريق أبيه ، ممّا جعل السلطات تعتبرها جريمة ، فضغطت عليه ، ممّا اضطرّه إلى الخروج من العراق سرّاً عام 1998 م .
بعد ذلك رأت أم جعفر أنّ من الأجدر أن تترك الإقامة في الكاظميّة ، وتعود للإقامة في النجف
الأشرف ، حيث إنّ البنات الثلاث انتقلن كلّهن للإقامة هناك من بعد زواجهنّ ، وحتّى السيّد جعفر ، كان مقيماً هناك منذ فترة لمتابعة دراساته الحوزيّة التي تلقّى مقدّماتها في الكاظميّة ، فاستأجروا منزلًا في النجف وأقاموا فيه . وفي الفترة اللاحقة ، عاشوا نوعاً من الانفراج النسبي في النجف من ناحية
هامش
( 1 ) ما بين [ ] ذكرته لي أسرة السيّد الصدر
( 2 ) شهيد الأمّة وشاهدها 1 : 44 ؛ وقد أكّدت لي ذلك أسرة السيّد الصدر .