وهم على معرفة تامة بالسيّد الصدر ( رحمة الله ) ومكانته ، ويَكنُّون ل - ه بالغ الحب والتقدير ، وإن لم
يكونوا من المتعلّقين به تعلّقاً عمليّاً . ولمّا سمعوا بحلولهم هناك في تلك الظروف المتوتّرة ، ورغم إعلان الأجهزة الرسميّة عن اعتقال السيّد الصدر ( رحمة الله ) ، ولعلّهم سمعوا بأكثر من اعتقاله ، لكنّهم على الرغم من ذلك بادروا في يومهم إلى زيارتهم ، وتكرّرت زياراتهم لهم ، وتعدّدت هداياهم وصِلاتهم . وقد اعتبرتهم الأسرة من أطيب الناس وأوفاهم وأكثرهم شجاعة وشهامة ، وأعرفهم بأصول النجدة والكرم . ومن مزاياهم أنّهم كانوا من وجهاء الكاظمية وتجّارها . . . ثمّ إنّهم كانوا بعيدين عن أجواء التوتّر ، إذ لم تكن لهم علاقة بأيّ من الفعاليّات الدينيّة أو الجهاديّة .
لقد بقوا على تلك الحال سنين متطاولة ، ولكن مع تصرّم الأيام استمرأوا - مجبرين - وجود ذلك الرجل الغريب الذي يتردّد عليهم ، ويجلس في غرفة الضيوف - من غير ترحيب به - ساعات طويلة من كلّ يوم . . . .
وكان هذا الرجل يصرِّح لهم أحياناً فيقول : « أنا الذي أعرفكم وأعرف قدركم وأحبّكم وأحترم الشهيد أباكم ، أنا أكون الرقيب عليكم ، خيرٌ لكم من شخص لا يعرف شأنكم ولا يكنّ لكم إلّا الحقد والكراهية ، فيؤذيكم » ، وكانت أم جعفر تعجب لذلك .
وقد حرصت أم جعفر منذ يومهم الأوّل في الكاظميّة على أن تفتح لنفسها كوّة نور إلى العالم الخارجي ، محاولةً خرق ذلك الحصار الذي تراءى لها أنّه لن ينتهي . ولهذا كانت تسترق السمع خلسة إلى مذياع صغير كان عندها لتستمع إلى الأخبار التي تحدث في داخل العراق أو خارجه ، ولكنّ ذلك كان يتمّ بعيداً عن مسامع والدة السيّد الصدر ( رحمة الله ) والأطفال ، خوفاً من أن يصل إلى سمعهم ما كانت أخشاه وترتعب لمجرّد تصوّره ، وهو مقتل زوجها .
وفي ليلةٍ من الليالي ، سمعت أم جعفر ذلك الخبر الذي نزل عليها كالصاعقة ، فهدّ كيانها ، وقد أرادت أن تصرخ ، أن تنتحب ، أن تفجّر الدنيا ثورة وتمرّداً ، ولكن لم يكن أمامها من سبيل سوى أن أرخت عينها بالدموع ، وبقيت وحدها تنتحب بلا معين .
أخفت أم جعفر الخبر عن والدة السيّد الصدر ( رحمة الله ) وعن أطفالها ، فقد خشيت أن تخونهم العاطفة فلا يقدرون على كبت حزنهم ، ولم يبق لهم من رجل إلّا السيّد حسين ، الذي قد يؤاخذ بأشدِّ العقاب والانتقام ، لو سمع لأحدهم صوت ، فآثرت السكوت والتحمّل ، وباتت ليلتها حين حندس الليل ، تكويها عذاباتها ، فهي لا تريد أن أصدق بأنّ السيّد قد رحل ، ولا تريد لهذه الخواطر السوداء أن تهدّ من عزيمتها ، تقول ذلك لنفسها ، ثمّ ترجع إلى الواقع المرير وتستسلم للقدر : « يا الله ! أفلن ألتقيَ الشهيد بعد هذا ؟ ألن يعود ؟ وا وجيعة قلبي عليك يا آمنة ، ألا إنّ الهدى ينعاك يا بنت الهدى ، أيُهدر دمكما ويذهب دَلَهاً ، ولا من عزاء ! ولا معزِّين ! ولا باكين ! الله أكبر . . حتّى الدّمعة قد عزّت في حقّك يا أبا جعفر ، ألا إنّ حزني عليك سرمد ، والله لو قد بكاك الناس حتّى تتحجّر مآقيهم ، لما أوفوك حقّك . . . » .
وفي فترة وجودهم في الكاظميّة التي دامت ستّة عشر عاماً ، أدركت أم جعفر أنّ السلطة تحاول دفنهم في بيتهم أحياء ، من خلال حبسهم في غرفة منعزلة . ولذلك حاولت أن تقاوم أسلحتهم بالاتكال على المولى جلّ وعلا ؛ فكانت تغذّي الأمل في نفوس أفراد العائلة ، فتظهر لهم
بمظهر
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 292
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص٢٩٢