حيث شدّدوا في الأيّام اللاحقة كلّ ما كان مفروضاً عليهم من عقوبات ، وصاروا يكيلون لهم الشتائم والسباب والتقريع والتهديد بإنزال الويل والثبور أيّاماً متواليات ، كانوا فيها كمن يغلي على مرجل .
وقد منّ الله تعالى عليهم بفسحةٍ من فرج ، عندما أقنعوا الرقيب عليهم المتواجد غالباً في البيت معهم ، بأن تخرج أم جعفر أحياناً لشراء أوراق وأقلام وأدوات تلوين وتعليم ، لتتمكّن من القيام بتدريس الأطفال لاستغلال الوقت فيما ينمّيهم ويربّي ملكاتهم ، ويكسر طوق التجهيل والتضليل المفروض على أعناقهم ، وقد صار ذلك للأطفال - متى ما توفّر - نعم المشغلة والمسلاة .
وأمّا والدة السيّد الصدر ( رحمة الله ) ، فكانت تساعد أم جعفر في احتواء الأطفال ورعايتهم ، بحنوِّها وأمومتها الدافئة ، وكانت ( رحمة الله ) كثيراً ما تصنع لهم الدمى بيديها ، وتكثر من سرد القصص القرآنيّة ، وخاصّة قصص الأنبياء منها خاصّة . وأكثر ما كان يعجبها أن تكرّره منها قصّة نبي الله موسى ( ع ) ، فلقد كانت تسهب وتعيد وتزيد في سرد قصّته ( ع ) ، وكيف أنّه أُبعد للحكمة الإلهيّة رضيعاً عن أمِّه ، ثمّ كيف ردّه عليها بصادق وعده ، إلى سائر تطوّرات قصّته . وكانت تتلو الآيات وتفسّرها كذلك ، إلّا أنّها عندما كانت تتلو قول - ه تبارك وتعالى :
وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
« 1 »
) ،
كانت تقرأها أحياناً بتنهّد وحسرة ، وقد سمعتها أم جعفر مراراً وهي تتمتم بعد قراءتها : « صدق الله ، ولكنّ هذه الآية ليست لمثلي ، وليس لي من تأويلها نصيب ، فإنّ ولدي لن يعود » .
تطاول وامتدّ زمان المحنة ، وخبت جذوة الأمل في النفوس ، وصار اليأس يدبّ ويتمكّن من الجميع ، غير أنّه لم يجرؤ أحد على مصارحة الآخر بذلك ، فكما لم يتصارحوا باستشهاد السيّد الصدر وأخته ، كذلك لم يتصارحوا بأنّهم فقدوا الأمل في عودتهما .
كانت الحاجّة بتول تقضي ليلها تملُّ كما يملُّ المسموم ، وهي في ذلك دائمة التلاوة للقرآن ، وتهدي ثواب تلاوتها لروحه ولديها ، في صمت وخفاء ؛ كانت تناجيهما باسميهما ، وتعتب على زمانها الذي حرمها منهما بعد ما قدّر لها الحرمان ممّن سبقهما من فلذات كبدها ، فحتّى هذان الوحيدان اللذان بقيا لها من ذريّةٍ - دفنتها وهي تنظر وتشاهد - لم يكملا مشوارهما معها ، وهي التي كانت تأمل أن يودعاها التراب إذا ما حلّ يومها ، لكنّما الأمر لله وحده .
وها هو حفيدها السيّد حسين ، الرجل الوحيد المتبقّي من ذريّتها ، مضيَّقٌ عليه ، ويُهدَّد بالقتل أو السجن والتعذيب في كلّ يوم إذا ما بدر منه أيّ شيء قد يغضبهم .
وأمّا ابن أختها السيّد محمّد صادق الصدر ( رحمة الله ) وابنه السيّد محمّد الصدر ( رحمة الله ) ، فقد كانا في النجف وممنوعَين من زيارتها والدخول عليها في العام الأوّل . ولكن بعد مضي عام استطاع السيّد محمّد ( رحمة الله ) انتزاع موافقة منهم لزيارتها والسلام عليها والسؤال عن حالها
وأحوال اليتامى من أحفادها . ثمّ تكرّرت زيارته لهم مرّات معدودة فقط .
وممّا تتذكّره أم جعفر عن أيّام تلك الفترة ، أنّها خرجت مرّة وأشارت إلى ابنها السيّد جعفر ، فانسلّ في خفّة ، وخرج معها ، وكان ل - ه من العمر آنذاك اثنتا عشرة سنة أو أكثر . أخذته معها إلى
هامش
( 1 ) القصص : 7 .