تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
حول ما حلّ بالعائلة وما جرى عليها بعد رحيل الوالد ، بل كان يعرف حتّى ما جرى من محن وتطوّرات سيّئة في حالة ونفسيّة كريمة السيّد الصدر ( رحمة الله ) . ورغم ذلك تقدّم خاطباً بهدف محاولة إنقاذها وانتشالها من محنتها وتغيير الأجواء التي كانت تعيش فيها بعد الصدمات المتتالية التي حلّت بها . لقد كان الشيخ النعماني ( رحمة الله ) يكُنّ لها مشاعر خاصّة ، وكان ينظر إلى والدتها بوصفها قدِّيسة ، فكان بعد ارتبطه بهم ينحني أمام أم جعفر إجلالًا أحياناً ، ويلثم ذيل عباءتها . ومن بعد تقدّمه للخطبة قبلوا عرضه بعد تفكير ومراوحة ومناقشة . وزفّت إليه أخيراً ، لتتلقّى منه ومن أهله وأهل بيته كلّ عناية وتقدير وإجلال واحترام . ومن الحوادث التي وقعت بعد استشهاد الشهداء ( رحمة الله ) أنّ كريمة السيّد الصدر ( رحمة الله ) أم علي خرجت يوماً من بيت زوجها مصطحبةً يتيميها معها : طفلةً على كتفها وتجرّ طفلها الآخر بيدها . وعند خروجها كانت سيّارة تابعة لجهاز الأمن متوقّفة أمام الدار للمراقبة كما هي عادتهم الدائمة وبشكل علني وصريح . وعندما خرجت كان المكلّف بالمراقبة جالساً في داخلها ، ثمّ حانت منها التفاتة نحو السيّارة ، ففوجئت عندما رأت الرقيب قد وضع كفّيه على وجهه ، وكان جسمه يهتزّ في خضّة واضحة ، لقد كان يبكي وينتحب بشكل واضح وعجيب . . وكان - أحفاد أم جعفر - عندما يذهبون إلى المدارس يقابَلون أحياناً من قبل بعض مسؤولي تلك الدوائر ، المعروفين بانتمائهم الحزبي والمخابراتي ، برقّة وحنان مميّزَين ، وما كانوا ينادونهم - تمييزاً لهم عن غيرهم - إلّا بكلمة : « سيّدي . . مولاي » . ولربما لوحظ من أحدهم أحياناً إدامة النظر خلسة لأحد الأطفال ، في تأثّر وحيرة بادية وقبل حلول موعد أربعين الشهداء صار الشيخ محمّد النعماني ( رحمة الله ) يتلقّى تهديدات متتالية بالانتقام ، وصريحةً بأنّ الدور قد وصل إليه من بعد من مضوا ، وذلك من خلال رسائل ورقية تدسّ من تحت الباب ، أو من خلال الهاتف . فحمل الشيخ النعماني ( رحمة الله ) تلك التهديدات على محمل الجد ، فخطّط للهروب في خفاء ، ورتَّب للفرار إلى شمال العراق بالاتّفاق مع بعض الأكراد . إلّا أن الدليل الكردي ذاك ظهر أنّه كان من المرتبطين بأجهزة النظام ، أو أنّه بنفسه باع الشيخ لهم بثمن أعلى ممّا استلمه من الشيخ نفسه ، ممّا جعلهم يرصدونه في طريق سفره ، واعتقل في إحدى المناطق ، وكانت زوجه في صحبته ، وسرعان ما وصل العائلة خبر إعدامه ( رحمة الله ) . كانت كريمة السيّد الصدر ( رحمة الله ) عند اعتقالها مع زوجها تحمل معها - كما هي عادتها - العقاقير والأقراص والأدوية الخاصّة بمعالجتها ممّا كانت تعانيه على إثر الصدمات النفسيّة المتتالية التي تلقّتها وزلزلت كيانها ، وقد بقيت عندهم معتقلة فترةً وجيزةً في زنزانة مع زوجها حتّى أعدم . وفي فترة اعتقالها حقّقوا معها وسألوها بالدقّة عن كلّ تفاصيل حياة الأسرة داخل البيت ، وحتّى عن ماهية ومقدار ما يأكلون ويشربون ومتى ينامون وأين وكيف ، إلى غير ذلك من التفاصيل المملّة ، ثمّ أطلق سرحها بعد إعدام زوجها . وبقي الحال على ما هو عليه حتّى سقوط نظام البعث ، ويوم إسقاط تمثال صدّام حسين في ساحة الفردوس في بغداد ، كانت السيّدة أم جعفر طريحة الفراش في إحدى مستشفيات بغداد تتلقّى