المتماسك الجلد . وقد خشيت على والدة السيّد الصدر ( رحمة الله ) أن تنهار وتزداد صحّتها سوءاً لو علمت بما جرى ، وأرادت للأطفال ألّا يشعروا بذل اليتم وفقد الأب الراعي ، خاصّة مع تخلِّي الجميع وعدم وجود أقارب وأرحام بقربهم . كما خشيت أن تنشأ عقد نفسيّة مستعصية في نفوس أطفالها ، أو تنشأ في رؤوسهم أفكار مشوّهة عن الدين والجهاد والتضحية ، وعن أبيهم بالذات ، ذاك الذي باع وجوده وكلّ ما يملك لخالقه ، فقد يتخيّلون لا سمح الله أنّه تركهم للفراغ والذئاب ورحل بلا سبب وجيه ، لأنّه ضحّى لمن لم يهمّهم أمره . لذلك جهدت بكلّ طاقتها ، وداست على قلبها ، وكبّلت مشاعرها ، واستنفرت قواها كلّها للمحافظة على تماسك البيت ، والنظر إلى المستقبل الأفضل ، ودفعهم للتعلّق بالله ورجاء ما عنده ، واللهج بالذكر والدعاء ، وقراءة القرآن ، ومعها والدة السيّد الصدر ( رحمة الله ) تعينها على ذلك ، ولذلك صار البيت - بفضل الله تعالى - كخليّة نحل دائمة ، لا يسمع في داخلها إلّا الذكر والقرآن والدعاء .
وبعد شهرين مضيا على حالهم من أوّل نزولهم في الكاظمية ، فوجئت أم جعفر يوماً بابنتها الثانية ، تسائلها والقلق ساكن على تقاسيم وجهها الشاحب الصغير : « أمّاه ! لقد سمعت عندما كنت بجانب المذياع خبراً عن مقتل والدي ، أصحيح ذلك ؟ » ، قالت ذاك وكان السيّد حسين جالساً يسمع ، فأسقط في أيديهما ، وتداركا سريعاً فنفيا لها ذلك الخبر ، وعلّلت والدتها ذلك بأنّه من ألعاب الكبار القذرة وأنّها صغيرة على ذلك ، وأنّها محاولات إعلاميّة خارجيّة لإرباك الأوضاع وإخافتهم فقط ، وأنّها لا تقدر على استيعاب هذه الألاعيب ، وطلبت منها أن تدعها وتطمئن إلى أنّ أباها في خير إن شاء الله ؛ فصحيحٌ أنّه عند صدّام ، لكنّهم سيلتقون به به بإذن الله ، وسيفوزون بحياة سعيدة معه ، رغماً عن صدّام وزبانيته إن شاء الله ، وطلبت منها أن تنام هانئة .
لقد بلغت بهم الشدّة والتضييق مبلغاً صارت فيه أم جعفر تخاف معه من تلقّي المكالمات من أيٍّ كان ومن أيّ مكان ، لما يستتبعه ذلك من أذى ومصائب ، حتّى أنّ شقيقتها السيّدة رباب الصدر ( أم رائد ) في لبنان ، حاولت الاتّصال بها عدّة مرّات إلى بيت صهرا السيّد حسين ، حيث كانوا محاصرين محتبسين . وفي كل مرّة كانت تتّصل ، كانت أم جعفر تبادر فوراً وبمجرّد سماع صوتها إلى إنزال سمّاعة الهاتف وقطع الخط ، دون أن تردّ بكلمة « نعم » . وبعد حين نجحت في إرسال رسالة إليها تطلب فيها منها بألّا تعيد الاتّصال ، وطلبت منها أن تنسانها وترحمها في كربتها وعذابها ، فإنّ مجرّد سؤالها عنها يزيدها في نظر السلطة جرماً واستحقاقاً لعذاب أشد ، كما أبلغتها بضرورة ألّا تتكلّم عنها ولا حتّى أن تذيع اسمها لأيّة وسيلة إعلاميّة ، لأنّ ذلك سوف ينعكس حمماً تنصبّ فوق رأسها ورؤوس العائلة جميعاً .
وقد حدث مثل ذلك فعلًا ، ودفعوا الثمن غالياً ، وذلك عندما وصلتهم رسالة خطيّة من السيّد مصطفى فيروزان ، زوج أختها زهراء ، الذي أرسلها من سويسرا ، حيث كان في عمل ل - ه هناك . وقد ضمّن رسالته السلام والتحيّة والسؤال عن أحوالهم ، وأعرب فيها عن قلقه وقلق جميع الأهل عليهم ، لانقطاع أخبارهم عنهم ، وأبدى استعداده لتلبية أيّ طلب ، أو إرسال أيّ شيء يحتاجونه . فقد وصلت الرسالة ، ووصل معها سيلٌ من يحموم السلطة ، بما فاق أو كاد يفوق ما كانوا يعانونه
من ويلات ،
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 293
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص٢٩٣