السلطة ، وإن كانوا ما زالوا يعيشون كغيرهم في داخل سجن العراق الكبير .
ولكن كان تلفّظ اسم السيّد الصدر ( رحمة الله ) هناك يحدث كارثة ويثير الرعب لمن يسمعه ، فتحوّل وجودهم ومكان بيتهم إلى نقطة بلاء لمن يريد التقرب منهم أو الاقتراب إليهم ، وصار الناس بأنفسهم يتحاشون الاختلاط بهم ، ويطلبون السلامة في الابتعاد عنهم .
ومن أمثلة ذلك أنّ ابنة السيّد الصدر ( رحمة الله ) الثانية فقدت ذات مرّة خاتم زواجها ، وكان ذلك قبل استشهاد زوجها السيّد مصطفى الصدر ( رحمة الله ) بعدّة أشهر ، وقد بحثت عنه كثيراً دون فائدة ، إلى أن يئست من العثور عليه . وبعد سقوط نظام البعث بأيّام ، طرق بابهم شخصٌ لا يعرفونه وسأل أحدهم : « هل لكم ضالّة قد فقدتموها » ، فأجابت : « نعم ، ولكن منذ زمن طويل » ، فسأل عن تفاصيل المفقود والمدّة التي فقد فيها ومواصفات الخاتم ، فلمّا انطبقت التفاصيل على ما عنده ، قدّم ما في يده ، وإذا به هو خاتم زواجها . وعندما سألوه عن القصّة ؟ قال : « أنا صاحب سيّارة أجرة ، وقد ركبت في سيارتي امرأة قبل خمس سنوات وأوصلتها إلى هنا حيث نزلت في هذا البيت . وبعدما نزلَتْ وقع نظري على الخاتم في أسفل السيارة . . وتوقّعتُ أنّه قد سقط من يدها . ولمّا سألت عن البيت ، قيل لي : إنّه بيت آل الصدر . . فهبت من الرجوع إليهم وآثرت السلامة . صحيحٌ أنّها أمانة يجب إرجاعها إلى أهلها ، ولكنّي مضطرٌّ لإبقائها عندي ، فإنّ الله لا يكلّف نفساً إلّا وسعها . . وها قد تهيّأ الظرف لأداء الأمانة ، ولم أتوانَ في ذلك ، وأرجعتها إليكم » .
تقول أم جعفر : « عشت بفضل الله تحت ظلال لطفه وفي جوار وليِّه أمير المؤمنين ، ما كنت محتاجة لمنّة من أحد ولا لفضل من جماعة . ولكن ألا يحقّ لي أن أعتب على من قضينا عمرنا معهم ولهم ومنهم وإليهم . . أن هجرونا وتوجّسوا خيفة منّا ، ولم يكلّفوا أنفسهم حتّى بمجرّد السؤال عن أحوالنا ؟ ولكنّي إن نسيت فلن أنسى ما حييت ألطاف وفضائل آية الله العظمى الشيخ إسحاق الفياض ، الذي خرق الحواجز النفسيّة والقوانين القائمة في نظر الناس ، ولم يكترث لهاجس ، ولا استجاب لمخوّف . كان يغمرنا بألطافه ، يسأل عن أحوالنا ويتفقّد شؤوننا ، ويحرص على راحتنا . وأمّا حرمه المصون وزوجه الكريمة فقد أولتنا من التقدير والعناية على كبر سنّها وجلالة شأنها . . » .
لقد كانت كريمة السيّد الصدر ( رحمة الله ) الثالثة شديدة التعلّق والول - ه والتولّع بأبيها ، ولاقت من اليتم والغربة والخذلان ما لقيته الأسرة معها ، ولكنّ قدّر لها أن يحفر ذلك في نفسها من الآثار المدمّرة ما كانت والدتها تخشاه على الجميع بسبب تلك الظروف . ولم تظهر تلك الآثار ووخامتها إلّا بعدما كبرت ؛ فإنّها لمّا صارت في عمر يهيّئها للزواج ، تقدّم لخطبتها أحد الأقارب من أبناء آل الصدر ممّن يقطنون بغداد ، وزفّت إليه ، وبقيت معه مدّة قليلة ، لعلّها لم تكن كفيلة بخلق التواؤم والانسجام بينهما . فهي عاشت في مثل الظروف التي مرّت ، بينما هو نشأ في بيت كان يعيش ظرفاً مختلفاً تماماً عن ظرفهم ، فلم يستطع أهله استيعاب البنت ، ولم يقدر الشاب على احتوائها وتفهّم
ظرفها . وهكذا وقع الطلاق ، فازدادت بذلك بؤساً وتنفّراً من وضعها وقدرها . وصارت تدخل أحياناً في دوامة من المتاعب النفسيّة والروحيّة .
وبعد فترة من إقامتهم في النجف ، تقدّم الشيخ محمّد النعماني ( رحمة الله ) - وهو من محبّي السيّد الصدر ( رحمة الله ) والمتعلّقين به كثيراً - لخطبة كريمة السيّد الصدر ( رحمة الله ) الثالثة ، وكان على اطّلاع بتفاصيل كثيرة
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 296
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص٢٩٦