تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
السنة . بعد مرور ثلاثة أيّام ، قرّرت السيّد فاطمة الصدر الخروج مهما كان الأمر ، وذلك لإنقاذ الأطفال من خطر الجوع والعطش ، فقد أرادت أن تشتري خبزاً ، أو أي شيء يتبلّغون به ؛ فخرجت متّكلة على الله مسلِّمة أمرها إليه ، غير مكترثة بما قد تواجه . ولكنّها تفاجأت عندما رأيت الزقاق خالياً تماماً من أيّ مظهر من مظاهر الحياة ، فلا صوت ولا أثر لأيِّ أحد ، لا من رجال الأمن ولا من أهل الحي . . تحرّكت نحو الخبّاز القريب ، وبعدما صارت منه على خطوات ، خفق قلبها وازدادت هواجسها ، إذ لم تسمع حينها أيّ صوت أبداً للتنور ، ولا لأيّ شيء يتعلّق بالمخبز ، بعد أن كان صوت حسيس النار وتأجّج التنور قويّاً في العادة ، يسمع عن بعد ، حتّى لقد صار ذلك الصوت متى ما سُجِّر التنور - مع أنّه حسيس نار - مؤنساً لهم في وحشتهم ، عندما كانوا وحيدين محبوسين في الدار ، في أيّام الحجز . وعندما وصلت إلى محل المخبز وَجَدَته مقفلًا ! وتلفّتت حولها فوجدت كلّ الحوانيت والدكاكين أو محالّ الخدمات ، كلّها كانت مغلقة ! وكذلك أبواب الدور المجاورة ، كلّها كانت مقفلة أو مزنجرة ، علامة على أنّ أهاليها لم يكونوا موجودين في دُورهم ؟ ! . فأدركت أنّ الجميع إمّا طُردوا أو هم بأنفسهم فرّوا من الحيِّ ، مخافة أن يحدث لهم ما لا يطيقون تحمّله ، وعلمت أنّهم الآن وحدهم تماماً في حي بأكمله : امرأتان ، إحداهما تعدّت الثمانين ، وخمسة من الأطفال . تحيّرت السيّدة أم جعفر حينها وبقيت واقفة تفكّر مع نفسها : إن كلَّ شر هو متوقّع الحدوث ، لاحتمال معاودتهم الهجوم على الدار ، وقد رأت نفسها هناك كمن يريد أن يدفع الشر بعود . توجّهت إلى رأس الزقاق حيث الشارع الرئيس ، لعلّها تجد قبساً من فرج أو هدىً أو أحداً . وفي الضفّة الأخرى من الشارع مقابل رأس الزقاق ، وجدت سيّارة واقفة ، وكان سائقها بداخلها ، كأنّه يرتقب أمراً أو أحداً ، ففهمت أنّها تابعة لأجهزة الأمن ، وعندها قالت : « لا بدّ من أن أتّخذ قراراً سريعاً . . إنّ مصير العائلة الآن رهن بيدي . . آهٍ يا ابن عمِّ ، كم هي ثقيلة تركتك التي خلّفتها طوقاً ثقيلًا في عنقي ، ولكن لّست أنت الملوم على ذلك ، وإلى الله المشتكى » . تذكّرت أم جعفر أنّ السيّد الصدر ( رحمة الله ) كان قد خوّلها التصرّف في مثل هذه الساعة حسبما يقتضيه الظرف وتمليه المصلحة التي تقدِّرها ، وذلك عندما يحدث ل - ه شيء ويكون الأمر بيدها . وهنا قرّرت أنّه لا بدّ من التحرّك والخروج سريعاً إلى خارج النجف ، فإنّ لهم بيتاً في الكاظميّة يمكن اللجوء إليه مؤقّتاً ، وهو بيت ابنتها الكبرى . ويظهر أنّ السلطة بنفسها أرادت أن تدفعها لاتّخاذ هذا القرار ، وذلك من خلال تعمُّدِهم قطع الماء والكهرباء والهاتف عنهم ، وإخلاء الحيِّ من حولهم ، حتّى يبعدوهم عن جوِّ النجف . ثمّ فكّرت في نفسها بأنّ أفضل وسيلة للابتعاد عن الشر ، هو الاقتراب منه أو اقتحامه ومهاجمته أحياناً ، وأنّ الخيار الأفضل لابتعادهم عن هذا الجوِّ هو تلك السيارة الواقفة نفسها ، لأنّ استئجار أيّة سيّارة أخرى سوف يؤدّي إلى متابعتها ، ولن يجنوا سوى المضايقة والمتاعب ، ثمّ ستحوم الشبهة حول سائقها البريء ، وقد يتعرّض للإعدام مباشرة ، لأنّه بذلك سوف يُعد عميلًا للسيّد الصدر ( رحمة الله ) ،