تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
وبالفعل ، ففي أواخر شباط / 1980 م ( ربيع الثاني / 1400 ه - ) « 1 » اتّصل ( فاضل البرّاك ) مدير الأمن العام وأبلغ السيّدة بنت الهدى ( رحمة الله ) أنّ القيادة قرّرت رفع الحجز عن السيّد الصدر وأنّ بإمكانه العودة إلى حياته الطبيعيّة . وفي الوقت نفسه رفعت السلطة مظاهر الاحتجاز التي كانت تطوّق بها المنزل والزقاق الذي يقع فيه ، وأبقت نقطة مراقبة ثابتة في مقبرة ( آل زيني ) التي تشرف على الزقاق . ولم تكن تخفى على السيّد الصدر ( رحمة الله ) حقيقة هذه المبادرة ، فهو يعرف أنّ السلطة في العراق لا تتعامل بمنطق المرونة والحرّية مع عدوّ لدود لها إلّا إذا بلغت مرحلة الاضطرار والقهر تجبرها على اتّخاذ موقف يخالف طبيعتها الإرهابيّة والإجراميّة ، كما أنّه ليس من الطبيعي أن ترفع الحجز من دون ثمن يحفظ لها هيبتها وموقعها بوصفها دولة وسلطة حاكمة إن لم تكن مضطرّة إلى ذلك أو تنوي شيئاً من السوء . وقد تعامل السيّد الصدر ( رحمة الله ) بالمزيد من الحذر والاحتياط تجاه هذه المبادرة وقد قال للشيخ النعماني : « يجب أن نجعل رفع الحجز أمراً واقعاً لا يمكن للسلطة تحدّيه ، ونجعل تردّد أصناف من الناس أمراً طبيعيّاً لنتمكّن من خلال ذلك اقتناص الفرص لتنظيم التحرّك الجهادي في العراق ، فليس منطقيّاً أن تستمرّ عمليّة الجهاد دون قيادة ميدانيّة تمتلك رؤية واضحة عن تفاصيل العمل ، وكيفيّة تطويره ، وجعله كياناً قويّاً متراصّاً دائم الحركة والتواصل » . وقد منع السيّد الصدر ( رحمة الله ) مجيء الشباب وتردّدهم عليه في تلك الفترة ، وكان يقول : « إنّ هؤلاء هم الطاقة الحقيقيّة والقوّة الضاربة ، فيجب أن لا نعرّضهم للخطر في الوقت الحاضر » . كما أنّ السيّد الصدر ( رحمة الله ) بقي من الناحية العمليّة محتجزاً فلم يخرج من بيته مطلقاً ، وكان يقصد بذلك أن تستمرّ الحالة غير الطبيعيّة في أذهان الناس والمجاهدين ، ويُحبط أيضاً محاولة السلطة التي استهدفت امتصاص نقمة الجماهير وغضبهم برفع الحجز عن السيّد الصدر ( رحمة الله ) « 2 » . وكان السيّد الصدر ( رحمة الله ) قد خمّن حينها أنّ هذه الخطوة مكرٌ جديدٌ لكشف ما تبقّى من خيوط ، قد يهتدون بها إلى مكامن وقواعد وأفراد وأبطال الحركة الإسلاميّة ممّن قد يتّصل بالسيّد الصدر ( رحمة الله ) ، عن طريق أفراد عائلته لو أُفسح لهم أن يخرجوا لبعض شأنهم ، أو به هو شخصيّاً . وأصرّ ( رحمة الله ) على البقاء حبيس الدار مواساةً لجميع أبنائه وإخوانه المعتقلين ، وأعلن - سواء لرجال الأمن أو لمن استطاع زيارتهم حينذاك - بأنّه يرفض إخلاء سبيله والإفراج عنه وحده ، بينما المؤمنون المبتلون يئنّون تحت سياط التعذيب والقهر . فبقي في داره ولم يخرج ، واعتبر كأنّ الحجز لازال كما هو . وقد تبين حقّاً فيما بعد صحّة ما ذهب إليه « 3 » . وكان الشيخ أمين الساري - وهو من عيون الأمن - أوّل من يدخل وآخر من يخرج من بيت
هامش
( 1 ) في : سنوات الجمر : 246 أنّ ذلك كان أوائل شباط ، وما أثبتناه استفادةً من إفادة السيّد جعفر شرف الدين الذي سبق سفره في آخر الشهر التخفيف من الحصار ( 2 ) الشهيد الصدر . . سنوات المحنة وأيّام الحصار : 300 - 301 ؛ شهيد الأمّة وشاهدها 2 : 182 - 184 ( 3 ) وجع الصدر . . ومن وراء الصدر أم جعفر : 186 .
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 239 | أحمد عبد الله أبو زيد العاملي