السيّد الصدر ( رحمة الله ) يسقي جلّاديه . .
في فترة الحجز كانت قوات الأمن تطوّق منزل السيّد الصدر ( رحمة الله ) تطويقاً تامّاً وكأنهم ذئاب يتربّصون به لينقضّوا عليه .
وفي ظهر أحد أيام الاحتجاز كان الشيخ النعماني نائماً في غرفة المكتبة فاستيقظ على صوت السيّد الصدر ( رحمة الله ) وهو يقول : « لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم » ، وظنّ الشيخ النعماني أنّ حدثاً مّا قد وقع ، فسأله : « هل حدث شيء ؟ » ، فقال : « كلّا ، بل كنت أنظر إلى هؤلاء - ويقصد قوّات الأمن - من خلال فتحة في الكسر الصغير في زجاجة النافذة فرأيتهم عطاشى يتصبّب العرق من وجوههم في هذا اليوم من أيام الصيف الحار » . فقال الشيخ النعماني : « سيّدي أليس هؤلاء هم الذين يطوّقون منزلكم ويعتقلون المؤمنين الأطهار من محبّيكم وأنصاركم ، هؤلاء هم الذين روّعوا أطفالكم وحرموهم من أبسط ما يتمتّع به الأطفال ممّن هم في أعمارهم ؟ » ، فقال ( رحمة الله ) : « ولدي ، صحيح ما تقول : ولكن يجب أن نعطف حتّى على هؤلاء ، [ أنت وأيُّ طالب آخر عندما توضع هذه العمامة على رأسه يجب أن يغيّر نظرته للناس
وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ )
« 1 » ] ، إنّ هؤلاء إنما انحرفوا لأنهم لم يعيشوا في بيئة إسلاميّة صالحة ، ولم تتوفّر لهم الأجواء المناسبة للتربيّة الإيمانيّة ، كم من أمثال هؤلاء شملهم الله تعالى بهدايته ورحمته فصلحوا وأصبحوا من المؤمنين ، [ وما يدريك أن يأتي وقتٌ يهتدون فيه ] » .
ثم نزل إلى الطابق الأرضي وأيقظ الحاج عباس وأمره أن يسقيهم الماء « 2 » .
وكان أحد ضبّاط الأمن يرأس هذه القوات ، فبعث رسالة شفهيّة إلى السيّد الصدر ( رحمة الله ) قال فيها : « سيّدي لا تتنازل لهؤلاء الجبناء - يقصد حكّام البعث - إنّهم يرتجفون خوفاً منك ، إنّ حذاءك أشرف منهم جميعاً . . . » « 3 » .
وقد أدّى ذلك بالسلطة إلى أن تقوم بعمليّة تبديل للعناصر الموجودة حول بيت السيّد الصدر ( رحمة الله ) خوفاً من تعاطفهم معه ، وقامت باستحضار عناصر من المنطقة الغربيّة من العراق لأنّهم - على حدّ اعتقادها - مضمونو الجانب « 4 » .
محاولة شبابيّة لإنقاذ السيّد الصدر ( رحمة الله )
في يوم من أيّام الحجز وصلت السيّد الصدر ( رحمة الله ) رسالة بواسطة الحاج عبّاس من بعض النّجفيّين غير المعروفين بالتديّن ، كان فيها عشرة أو خمسة عشر ديناراً ، والرّسالة مكتوبة بلغة شعبيّة وبسيطة ، وقد اعتذروا فيها عن قلّة المبلغ المرسَل ، وكان فيها ألوان التهجّم على السّلطة والولاء والمحبّة للسيّد الصدر ( رحمة الله ) ، ثمّ تقول الرسالة ما معناه : « سيّدنا نحن لا نصلّي ولا نصوم لكنّا نراك مظلوماً ، وهؤلاء
هامش
( 1 ) آل عمران : 159
( 2 ) شهيد الأمّة وشاهدها 1 : 140 - 141 ؛ وما بين [ ] من : صحيفة ( الجهاد ) ، العدد ( 232 ) ، في حديثٍ مع الشيخ محمّد رضا النعماني
( 3 ) شهيد الأمّة وشاهدها 1 : 141 . وانظر : مقدّمة مباحث الأصول : 155 - 156
( 4 ) سنوات الجمر : 243 . وينقل عن السيّدة أم جعفر قولها : « في أيّام الصيف القائض كنّا نتألّم لحال هؤلاء ونسقيهم الماء البارد رأفةً بهم . . » . ( بطلة النجف : 74 ) .