6 - طلب السيّد مرتضى العسكري :
تقدّمت الإشارة سابقاً إلى أنّه في فترة الحجز أرسل السيّد مرتضى العسكري إلى السيّد الصدر ( رحمة الله ) بعد أن كان قد أرسل إليه مرّتين طالباً منه الخروج من العراق ، وكان السيّد الصدر ( رحمة الله ) يقابل ذلك بالرفض . ولكن في المرّة الثالثة أجاب ( رحمة الله ) : « كان الحقّ معك ، والآن لا أستطيع مغادرة العراق ، البيوت محاصرة مثل بيتي وفيها من الأمن ، ولا أستطيع أن أخرج » « 1 » .
الشيخ النعماني يطلب من السيّد الصدر ( رحمة الله ) أن يترجم لحياته
في أحد أيّام الحجز ، صعد السيّد الصدر ( رحمة الله ) والشيخ النعماني معاً إلى سطح الدار وأدّيا زيارة الإمام أمير المؤمنين ( ع ) وسلّما عليه كما كانت العادة في كلّ يوم .
بعد الزيارة ، جلسا على سطح الدار وقبّة حرم الإمام ( ع ) تتلألأ بأنوارها . عندها جمّع الشيخ النعماني قواه وشدّ همّته ، وقال للسيّد الصدر ( رحمة الله ) : « إنّني أشعر بضرورة وأهمّية أن تقوموا
بترجمة تاريخ حياتكم ، فأنتم أقدر على هذه المهمّة بالشكل الذي يشبع طموح أبناء الأمّة وعلمائها ومفكّريها ، ذلك أنّ مسيرتكم العلميّة والجهاديّة والمعانات الكبيرة التي عشتموها قد يصعب تصديقها إن كتبها غيركم » .
وذكر له بعض النماذج وأضاف قائلًا : « إنّ تاريخ أئمّتنا ( ع ) حافلٌ بالكثير من أمثال هذه الترجمات والتي فرضتها الضرورة وليس بدافع المجد الشخصي والذاتي ، لقد ترجم الإمام علي ( ع ) نفسه للمسلمين من على المنبر مرّات عديدة ، فذكّر بجهاده مع رسول اللّه ( ص ) ومواقفه منذ بداية الدعوة الإسلاميّة ، وما تعرّض له من ظلم واضطهاد بعد وفاته ( ص ) . وهكذا فعل سيّد الشهداء الإمام الحسين ( ع ) ، ومن بعده ولده السجّاد ( ع ) ، ولم يفسّر ذلك على أنّه حبٌّ للذات أو طلب للشهرة ، خصوصاً وأنّكم ترون أنّ نهاية المطاف هو الاستشهاد في سبيل الله عزّوجلّ » .
ترددّ السيّد الصدر ( رحمة الله ) في قبول هذه الفكرة ، وقال : « إنّ دمّي هو الذي سيترجمني ، فأنا لا أريد إلّا خدمة الإسلام ، وهو اليوم بحاجة إلى دمي أكثر من حاجته إلى ترجمتي ، أمّا أنت فقد عشت معي طويلًا وشاركتني محنتي وعشت مراحل صراعي مع الظالمين ، فعرفت الكثير من تلك الجوانب ، فإن كتب اللّه تعالى لك السلامة فاكتب ما قد رأيته أو سمعته . . . . » .
وبعد حديث طويل جرى بينهما حول هذا الموضوع . قال الشيخ النعماني : « إنّ أحداثاً خطيرة ومهمّة وقعت في فترة الحجز فمن سيصدّق أنّها وقعت إن لم تُكتب بقلمكم ؟ » ، فقال ( رحمة الله ) : « نعم قد أكتب بعض ذلك . . . » « 2 » .
هامش
( 1 ) العلّامة العسكري بين الأصالة والتجديد : 222 - 223 .
أقول : يبدو أنّ السيّد الصدر كان أوّل الأمر يرفض فكرة الخروج من العراق كي لا تنكسر المقاومة بحسب تعبيره . وكأنّه كان يعوّل على تغيّر الوضع الداخلي لصالح حركته ( أشار إلى ذلك الشيخ محمّد رضا النعماني ) . ولكن بعد أن طالت مدّة الحجز ومرّت الأيّام دون أن يطرأ تحسّن على الوضع ، شعر السيّد الصدر أنّ خروجه من العراق سيكون أكثر فائدةً ، ولكنّ المشكلة أنّه خروجه كان غير ممكن في ظلّ الوضع الأمني المشدّد ( أشار إلى ذلك السيّد مرتضى العسكري ) . وفي ظلّ هذا الظرف انقطع السيّد الصدر إلى الله تعالى ، حتّى صار يبتسم إذا حدّثه الشيخ النعماني عن التحرّك السياسي ( ذكر ذلك الشيخ محمّد رضا النعماني ) ، وبعد ذلك حاز على شرف الشهادة
( 2 ) الشهيد الصدر سنوات المحنة وأيّام الحصار : 15 - 17 .