الصدر ( رحمة الله ) واعتقال من يخرج من البيت أو مصادرة هويّته .
وفي اليوم نفسه وصل الحاج مهدي عبد مهدي إلى مسجد الكوفة ، وسأل الشيخ عن سبب الاستدعاء فقال له : « السيّد يريدك » ، فقال : « وكيف يمكن أن نصل إليه وأنت معتكف ؟ ! » ، فأجابه : « ولكنّك لا تستطيع الوصول إليه لأنّ منزله مطوّق » ، فقال : « وماذا نفعل ؟ ! » ، فقال : « لا أدري » ، فقال الحاج : « الحلّ الوحيد هو أن تذهب أنت إلى منزل السيّد فترى ما يريد ويقوله لك ، وأنت تنقله لي » ، فأجاب الشيخ : « أنا حاضر للذهاب ، ولكن من المحتمل أن يعتقلني رجال الأمن عند خروجي ، فتصبح أسرار السيّد في خطر » ، فقال الحاج : « أنت اذهب إلى السيّد وهو يقول لك ماذا نفعل » .
فقطع الشيخ الزهيري اعتكافه محافظاً على صيامه وذهب ظهراً إلى بيت السيّد الصدر ( رحمة الله ) المحاط من قبل رجال الأمن ، وكانوا متواجدين في المكان من طرفي البيت الذي كان من
ناحية يؤدّي إلى شارع الإمام زين العابدين ( ع ) ومن الناحية الأخرى إلى سوق العمارة باتّجاه حرم أمير المؤمنين ( ع ) ، فاختار الشيخ المجيئ من طرف الحرم ، بينما ينتظره الحاج مهدي في سيّارته في شاره الإمام زين العابدين ( ع ) بعيداً عن رجال الأمن .
لمّا وصل الشيخ الزهيري وطرق الباب فتح له الشيخ النعماني وقال له : « لماذا أتيت ؟ ! كلّ من يخرج من البيت أنا أنظر إليه من الثقب وأجد انّه يعتقل ، فأنت ستعتقل لا محالة » ، فأجابه : « أتيت من أجل الحاج مهدي الذي لم يصل إلّا اليوم ، وأمر السيّد مطاع ، والظرف يستدعي ذلك » ، فقال الشيخ : « زين ، دعني أعرض الموضوع على السيّد » .
في هذا الوقت ذهب الشيخ ليتوضّأ ومزّق ما معه من أوراق . وبعدها تقرّر محاولة الإفلات من رجال الأمن بحجّة أنّه قادم من الناصريّة من أجل أخذ بعض الرسائل العمليّة ، وحمّله الشيخ النعماني رسالتين أو ثلاثاً ، وسأل الشيخُ الزهيري : « إذا سألوني عنك فماذا أقول لهم ؟ ! » ، فقال الشيخ النعماني : « قل إنّي موجود لأنّهم يعلمون بوجودي » ، ثمّ أعطاه الشيخ النعماني مفتاح داره وطلب منه اصطحاب الحاج مهدي إليه على أن يلحق بهم هو لينقل لهم توجّهات السيّد الصدر ( رحمة الله ) ، وكان الشيخ النعماني مستثنىً من منع الدخول إلى بيته ( رحمة الله ) .
خرج الشيخ الزهيري من البيت موطّناً نفسه على الاعتقال ، فوجد أنّ الجهة المؤدّية إلى سوق العمارة خالية من رجال الأمن الذين وقفوا إلى الناحية الأخرى - من جهة شارع الإمام زين العابدين ( ع ) - حيث يريد التوجّه .
وبالفعل تحرّك نحو رجال الأمن الذين تحرّكوا بدورهم نحو السيّارة التي يقبع فيها مسؤولهم - ربّما - ليتلقّوا منه الأوامر حول ما ينبغي أن يفعلوه ، فاستغلّ الشيخ الزهيري الفرصة ليغيّر وجهة سيره إلى ناحية سوق العمارة واختلط بين الناس وفرّ داخل الأزقّة ليدور ويصل إلى سيّارة الحاج مهدي عبد مهدي الذي كان متشاغلًا بتبريد سيّارته ، فطلب منه الركوب بسرعة ثمّ نزع عمامته .
وبمجرّد وصولهما إلى منزل الشيخ النعماني استسلم الشيخ الزهيري للتعب ، فنام . وبعد قليل وصل الشيخ النعماني وطمأنهما بأنّه غير ملاحق ، وبعد أن طلبا منه الركوب في السيّارة والذهاب إلى مكان آخر طمأنهما مرّة أخرى قائلًا : « اطمئنّوا . . أنا ما عليّ شيء » .
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 144
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص١٤٤