ختم كلمته قائلًا : « أضمّكم إلى قلبي يا أبناء مدينة الحسين ، مدينة حوت تلك الدماء الطاهرة التي أراد السلطان أن يستميلها بالمال والجاه فأبت لأنّها رأت مسألة الحقّ أكبر من ذلك . دماء من ؟ إنّها دماء أقدس إنسان على وجه الأرض . إنّي أغبطكم يا أبنائي على مجاورتكم لقبر ريحانة رسول الله ( ص ) . فالإنسان حينما يمسك تفّاحةً يبقى شذاها في يده ، فكيف وأنتم أقرب الناس إلى قبر الحسين بن فاطمة ؟ إنّي أشمُّ منكم رائحة الحسين . كربلاء الصغيرة بحجمها إلّا أنّها كبيرة بعطائها . فحدودها العقائديّة كبيرة تمتدُّ مع حدود الإنسان الرسالي . ما من إنسان تكلّم عن الإنسانيّة إلّا وكانت كربلاء في ضميره . وأعاهدكم أحبّتي أنّني سأحذو حذو جدّي الحسين ( ع ) » .
فهدر الحاضرون : « قد أبينا العيش إذلالًا وكفراً
* * * وابتغينا الدين منهاجاً وفكراً » ، فقال
السيّد ( رحمة الله ) كلمته الأخيرة : « بارك الله فيكم تبغون الشهادة ، رزقكم الله إيّاها » .
وفي تلك الأثناء لفت انتباههم أحد الغرباء وكان يضع نظّارة قاتمة على عينيه ويقف بباب الغرفة الكبيرة ويلبس حذاءً صيفيّاً مشبّكاً يتصفّح وجوه الحاضرين . ولمّا علموا أنّه من رجال الأمن أشاروا إلى أحد الإخوة ، فاقترب منه وداس على أصابعه أربع مرّات معتذراً حتّى غادر المكان .
ولمّا أكمل السيّد ( رحمة الله ) كلمته عرّف العلماء بشخصيّات الوفد ثمّ سلّموا عليه وغادروا منهم إلى مسجد السهلة ومنهم إلى مسجد الكوفة ومنهم إلى كربلاء ومنهم إلى محافظات أخرى « 1 » .
5 - وفد حي السلام :
كان الشهيد الشيخ عبد الجبار البصري ( رحمة الله ) وكيلًا للمرجعيّة في هذا الحيّ ، وقد نظّم وشباب هذه المدينة عمليّة البيعة وتمّ تهيئة لوازم السفر حيث منزل السيّد الصدر ( رحمة الله ) فانطلقت القوافل في يوم الثلاثاء 10 / رجب / 1399 ه - ( 5 / 6 / 1979 م ) « 2 » لتستقر في مسجد الشيخ الطوسي ( رحمة الله ) في النجف ثمّ تسير في مسيرة حاشدة تجاه منزل السيّد الصدر ( رحمة الله ) بتحدٍّ وإصرار وهي تهتف : « الله أكبر . . الله أكبر . . لا إله إلا الله » ، « عاش عاش ، عاش الصدر ، الإسلام دوماً منتصر » ، « بالروح بالدم نفديك يا إمام » .
وقد استقبلهم السيّد الصدر ( رحمة الله ) وهو يشدُّ على أيدي الشباب الرسالي معبّراً عن اعتزازه وحبّه .
6 - وفد مدينة العمارة :
حرّك حزب الدعوة الوفود ، وكان الاتّفاق على الالتقاء في الصحن الشريف عند الساعة التاسعة صباحاً من يوم الجمعة 13 / رجب / 1399 ه - ( 8 / 6 / 1979 م ) . وقد أكّد شهود أنّ وفد مدينة العمارة كان من أكبر الوفود إن لم يكن أكبرها .
خرج الموكب من باب القبلة نحو بيت السيّد الصدر ( رحمة الله ) ، وكان الوفد قد استأذن السيّد قبل يوم برفع بعض الشعارات فرفض ذلك ، فاستأذنوه في الصلاة على محمّد وآل محمّد فوافق .
وعندما وصلوا إلى بيت السيّد وفي مقدمتهم جمعٌ من العلماء راحوا يهتفون بالصلوات ، ومنهم من كان يقول : « على حبّ السيّد الصدر صلّوا على محمّد وآل محمّد » ، وآخر يقول : « إنّ الشياطين تخاف
هامش
( 1 ) كربلاء ، رساليّون يتهافتون على ذهاب الأنفس ، عبد الكريم مهدي ، صحيفة ( الجهاد ) ، السنة الثانية ، 1404 ه - ، العدد ( 16 )
( 2 ) جاء في المصدر أنّ ذلك كان يوم الثلاثاء في 13 / رجب ، ولا يستقيم إلّا ما ذكرناه .