نفسكم الشريفة بعد ابتلائي بالأراضي وابتلاء أبي حيدر بها - التريّث في مراسلة سماحتكم ، ولولا شعور من هذا القبيل لما صبرت عن مراسلتكم طيلة هذه المدّة .
شكرتم أخاكم على ما يشعر به قلباً ويلهج به من إحسانكم ، ولعمري إنّ الشعور بإحسان المحسن وتفضّل المتفضّل وإيثار الأخ والتعبير عن هذا الشعور من أدنى مراتب الإنسانيّة والوفاء التي لا تستحقُّ شكراً ، وبخاصّة من المتفضّل الذي لا نجد أنفسنا تجاه تفضّله إلّا قاصرين أو مقصّرين . وقد حزَّ في نفسي ما ذكرتم من أنّ بعض من يلصق نفسه بنا قد ادّعى أنّ الدار مستأجرة بثلاثمائة دينار وأصرَّ على ذلك بلغة هي أبعد ما تكون عن واقعكم ، وبطريقة تتّصل بالكرامة والشخصيّة . وكم يؤلمني أن يصدر شيءٌ من هذا القبيل ممّا يمسّكم ، وإنّ كرامتكم كرامتي وعزّكم عزّي وما يسيئكم يسيء إليَّ ولو أساء إليكم شخصٌ في موضوع لا صلة لي به لآلمني أشدَّ الألم ، فكيف والموضوع مرتبط بي . وعلى أيّ حال فالتصرّف المذكور شخصيٌّ من قبل هذا الرجل ولم يصدر منّي شيءٌ من هذا القبيل ، بل الذي يصدر منّي العكس ، وأنا حاضرٌ إذا رأيتم مناسباً أن تتفضّلوا عليَّ بذكر اسم هذا الرجل لأكتب إليه رسالةً خاصّةً أوضح له الحال من دون أن أشعره بأنَّ الخبر تسرّب إليَّ من ناحية سماحتكم لكي يكون موقفكم الأخوي المتفضّل واضحاً لديه .
الحمد لله ربِّ العالمين على شفاء أبى حيدر أقرَّ الله عيونكم الشريفة بذلك وحفظ بعينه التي لا تنام كلَّ أحبّتكم ولا أراكم فيهم مكروهاً ومتّعنا بدوام وجودكم ومديد عمركم .
سرّني جدّاً ما ذكرتم من تفاصيل المنهجة التي تعكفون من خلالها على تنقيح وتحقيق كتاب تنقيح المقال للشيخ المعظّم قدّس الله روحه الطاهرة « 1 » ، وإنّها لمنهجةٌ علميّةٌ وفنيّة ، وسوف يخرج الكتاب ضمن إطارها في درجة عالية من الروعة والجلال العلمي والفنّي ، وإنّه لعملٌ يسعد شيخنا العظيم وهو في فردوسه الطاهر ويحقّق في وجودكم الشريف الاستمرار المعنويَّ والحقيقيَّ لتلك الشجرة المباركة التي كانت تؤتى أكلها كلَّ حين ، ويتحف الفكر العلميَّ والحوزويَّ بإنتاجٍ تشابكت فيه تجارب الأب العظيم وتجارب الابن الفطن المحقّق ، فأصبح يعبّر عن حصيلة أكثر من نصف قرنٍ من الجهد العلمي الأصيل .
أسألُ المولى سبحانه وتعالى أن يمدَّ في عمركم ويوفّقكم لإكمال هذا المشروع وطبع الثلاثين مجلّداً على أحسن وجه تأملون بجاه محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين .
قرأتُ بكلِّ اهتمام وتثمين ما قمتم به من تكليف بعض الإخوان من وضع فهارس للكتب الفقهيّة والمهمّة ، والحقيقة إنّ هذا إحياءٌ لهذه الكتب وتمكينٌ لأكبر عدد من الانتفاع بها ، ويترتّب على هذا الجهد
فوائد مهمّة ، فجزاكم الله عن العلم وأهله والدين وذويه أفضل جزاء المحسنين . ولعمري إنّ هذا المجال من المجالات الواضحة لصرف سهم الإمام عليه الصلاة والسلام أرواحنا فداه .
بالنسبة إلى ما ذكرتم من الاهتمام بموضوع البيت وتفقّد أسسه ومستلزماته ، إنّي مهتمٌّ بذلك وقد ذكرت لمن توكل إليه الأمور مراراً وقبل مجيء رسالتكم الشريفة أنّ كلَّ ما يراه الحاج هادي لازماً أو نصف لازم للحفاظ على البيت وشؤونه فيجري على أحسن وجه ، ولهذا جرت تعميرات قبل ثلاثة أشهر فيما يرجع إلى الأسس ، وسوف تنفّذ أوامركم فيما يرجع إلى البيت وفيما يرجع إلى الكتب وحفاظها من العبث ، ويكتب إليكم السيّد أبو حيدر تفاصيل ذلك إن شاء الله تعالى .
وأخيراً إن تفضّلتم بالسؤال عن صحّة أخيكم وحاله فأنا بخير وصحّتي كما تعهدون ولا جديد في الأحوال ، وقد طبع لنا كتابٌ دراسيٌّ في الأصول كتعويضٍ عن كتب السطح الدراسيّة يشتمل على ثلاث
هامش
( 1 ) يقصد الشيخ عبد الله المامقاني ( رحمة الله ) .