زيارة الدكتور عبد الفتّاح عبد المقصود
كان للسيّد الصدر ( رحمة الله ) مجلسٌ عام يلتقي فيه بالناس والمراجعين قبل ظهر كلّ يوم . وفي يوم من الأيّام دخل رجلٌ وقورٌ فسلّم على السيّد الصدر ( رحمة الله ) فردّ عليه السلام ورحّب به أحسن ترحيب ، وبعد دقائق تكلّم الضيف الجديد ، فقال للسيّد : « أعرّفكم بنفسي ، أنا الدكتور عبد الفتاح عبد المقصود » . فرحّب به السيّد الصدر ( رحمة الله ) ترحيباً آخر وسرّ به ، وأثنى على كتابه ( الإمام علي بن أبي طالب ) « 1 » بما يستحقّ .
وبدأت بشائر الفرح والسرور تلوح في وجه الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود ، فقد فهم من هذا
الكلام أنّ السيّد الصدر ( رحمة الله ) قد قرأ كتابه ، فسأله عن رأيه بالكتاب ، فقال ( رحمة الله ) : « كتابٌ رائعٌ ومحاولةٌ مباركة » وأثنى عليه كثيراً ، ثمّ قال : « ولنا عليه ملاحظات » ، وأخذ السيّد الصدر ( رحمة الله ) يذكر له ملاحظات على كتابه - والكتاب مكوّن من عدّة أجزاء - والأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود يستمع بانبهار وتعجّب ، ويسلّم له بكلّ ملاحظاته على الكتاب ، ووعده بإجراء التعديلات اللازمة على ضوء هذه الملاحظات في الطبعة الجديدة . ولشدّة انبهار الأستاذ عبد الفتاح بالسيّد الصدر ( رحمة الله ) ، قام إليه وقبّل يده تعبيراً عن تقديره له .
يقول الشيخ النعماني : « والغريب أنّ السيّد الشهيد لم يكن يتوقّع زيارة الأستاذ عبد الفتّاح عبد المقصود لكي يتهيّأ لمناقشة ما في كتبه من أفكار أو نقاط ضعف ، أو يسجّل ما عنده من ملاحظات عليه ، وإنّما كانت زيارته مفاجأة بمعنى الكلمة . والأغرب من ذلك أنّ مكتبة السيّد الشهيد تخلو من كتاب الأستاذ عبد الفتاح عبد المقصود ، ولم أره يوماً فيها ، وإذا كان قد طالعه فإنّ الفاصلة الزمنيّة بين مطالعته للكتاب ولقائه بمؤلّفه لا تقلّ عن عشر سنوات على أقلّ تقدير .
ولعلّ الأستاذ عبد الفتّاح عبد المقصود قد أدرك من طبيعة مناقشة السيّد الشهيد لكتابه والتي تدلُّ على استحضار كبير لمادّة الكتاب ، أنّ هذا ليس بإمكان كلّ أحد ، بل هو شأن العلماء الأفذاذ ، ممّا أثار إعجابه وانبهاره » « 2 » .
وأثناء الجلسة سأل الدكتور مقصود السيّد الصدر ( رحمة الله ) عن ملابسات قصّة الإمام الحسن ( ع ) والصلح وملابسات قصّة الإمام الحسين ( ع ) والثورة ، فأجاب ( رحمة الله ) بأنّه لم يكن هناك فرقٌ بين موقف الإمام الحسن ( ع ) وبين موقف الإمام الحسين ( ع ) ولكنّ الفرق يكمن في أنّ أمّة الإمام الحسن ( ع ) تختلف عن أمّة الإمام الحسين ( ع ) « 3 » .
وكان السيّد الصدر ( رحمة الله ) يأمل في إقناع الدكتور مقصود في الكتابة عن السيّدة فاطمة الزهراء ( عليهما السلام ) والبحث في تفاصيل حياتها والتنقيب عن تراثها بقلم أدبيٍّ وتاريخيٍّ وعلميٍّ موضوعي ، وذلك لما عرف عنه من سعة اطّلاع ونزاهة علميّة إلى جانب ثروة أدبيّة قلّما توفّر عليها باحث « 4 » .
هامش
( 1 ) لم يذكر الشيخ النعماني اسم الكتاب ، وقد استفدناه من الخارج
( 2 ) شهيد الأمّة وشاهدها 102 : 1 - 103
( 3 ) مقابلة مع السيّد عبّاس الموسوي ( رحمة الله ) ( * )
( 4 ) انظر : هوامش نقديّة ، السيّد محمّد الحسيني : 9 .