تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
وكان السيّد الصدر ( رحمة الله ) يعلم بالمأزق الذي وقعت السلطة فيه ، إلّا أنّه تجاهل ذلك أمام فاضل البرّاك وأخبره بأنّه لا يشعر بضرورة لطبع كتاب ( فلسفتنا ) ، إلّا أنّ فاضل البرّاك أصرّ على طبع الكتاب مبرّراً ذلك بأنّ الفكر الإلحادي بدأ يتفشّى في العراق ، ولا بدّ من مواجهته بكلّ الوسائل المتاحة . وقد تحدّث البرّاك عن أهميّة هذا الموضوع وعن اهتمام القيادة به . وأحسّ السيّد الصدر ( رحمة الله ) بأنّ السلطة مصمّمة على تنفيذ هذه الفكرة ، وسواء أَقَبِلَ بذلك أم لا فإنّها ماضيةٌ في عزمها . ولكن هل الأفضل أن يترك السلطة تتصرّف بالكتاب كيف تشاء ، أو أن يختار بنفسه الجزء الذي سيحذف والذي لا يؤثّر كثيراً على ما استهدفه كتاب ( فلسفتنا ) من حقائق ؟ ووجد ( رحمة الله ) أنّ الخيار الثاني هو الأفضل ، وعلى هذا الأساس جرى الحديث مع البرّاك على المقدار الذي سيحذف من الكتاب ، وأنّ الإشراف على طبع الكتاب يجب أن يكون للسيّد الصدر ( رحمة الله ) . ووافق فاضل البرّاك على هذه الشروط ، وطبع الكتاب في مطبعة ( الميناء ) في بغداد ، وقد أمر السيّد الصدر ( رحمة الله ) الشيخَ محمّد رضا النعماني بالإشراف على طباعته احتياطاً منه في أن لا يحذف منه إلّا المقدار الذي حدّده « 1 » ، وقد طُبع على الغلاف مقطع من بحث كان قد نشره الدكتور أحمد عبد الستّار الجواري أستاذ النحو في كليّة أصول الدين « 2 » .

محاولة أخرى لطباعة ( اقتصادنا )

ذات مرّة التقى الشيخ عبد العزيز الفقيه بالشيخ عفيف النابلسي أثناء ذهابه إلى بيت السيّد الصدر ( رحمة الله ) وقال له : « أنا حاضرٌ لخدمة السيّد ، إذا كان يريد طبع كتاب اقتصادنا فالدولة العراقيّة حاضرة لتطبع الكتاب على حسابها ، وطلبوا منّي أن أعرض عليه ، وقد رأيتك فأرحتني وأريد الجواب منك » . ولمّا وصل الشيخ النابلسي إلى منزل السيّد الصدر ( رحمة الله ) أخبره بما ذكره الشيخ الفقيه ، فقال له : « هم جاءوا إليّ أكثر من مرّة ، وأحياناً الأمن ، وطلبوا منّي طبع كتاب اقتصادنا و [ قالوا ] إنّهم حاضرون لكلّ خدمة في هذا المجال . قلتُ لهم - على طريقة التقيّة « 3 » - فلسفتنا واقتصادنا كان لهم وقتٌ وحاجة في أيّام المدّ الأحمر ، أمّا الآن فليس لهما حاجة ، وأنا مهتمٌّ بالدروس الحوزويّة والرسالة العمليّة ، وأنتم لا تمنعون ذلك ، وهذا يكفي ، فالمرجعيّة غير مهتمّة بأكثر من هذا . . يمكنك أن تقول له بأنّي فكّرتُ في هذا الأمر فلم أخلص إلى الحديث مع السيّد لأنّي رأيته منصرفاً عن هذا التوجّه ومهتمّاً فقط في الدروس الحوزويّة والرسالة العمليّة » . وعندما عاد الشيخ النابلسي ، رآه الشيخ الفقيه ، فأسرع مرحّباً وقائلًا : « هل ذكرت ذلك للسيّد ؟ » ، فأجابه : « لم أجد حاجة إلى طرح هذا الحديث لأنّني عرفتُ من خلال الأحاديث أنّه عازفٌ عن كلّ شيء ما عدا الرسالة العمليّة والعمل للمرجعيّة » ، فسكت الشيخ الفقيه ومشى « 4 » .
هامش
( 1 ) شهيد الأمّة وشاهدها 100 : 1 - 101 . وقد رأينا أن ترجع هذه الحادثة إلى هذا العام لأنّ الشيخ النعماني يذكر في آخرها أنّ الكتاب قد طبع في مطبعة الميناء . وهذه النسخة موجودة لديّ وقد طبع عليها ( 1977 ) ( 2 ) مجلّة ( رسالة الإسلام ) ، السنة الثانية ، العدد 3 - 90 : 4 - 93 . انظر أحداث سنة 1380 ه - . وقد ذكر ( سوتريك ) أنّ السلطة قامت بطبع ( اقتصادنا ) بعد حذف ما يتناقض مع نموذج الاقتصاد الاشتراكي الذي تبنّاه النظام البعثي على الورق ( العمامة والصولجان : 205 ، نقلًا عن سوتريك ) . والصحيح أنّ السلطة لم تطبع ( اقتصادنا ) بل ( فلسفتنا ) ( 3 ) لم يتّضح لي إن كان ما بين - - من السيّد الصدر ( رحمة الله ) أم توضيحاً من الشيخ النابلسي ( 4 ) خفايا وأسرار من سيرة الشهيد محمّد باقر الصدر : 124 - 125 . ويبدو أنّ اقتراح طباعة ( اقتصادنا ) ليس قريباً زمنيّاً من اقتراح طباعة ( فلسفتنا ) ، ولكنّنا أوردنا ذلك من باب المناسبة .