تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
وبعد كلّ ذلك ، إذن ما هو هذا الاختلاف الذي وقع بين أفضل وأروع وأطهر الأجيال في تاريخ البشريّة ؟ ! وما هو نوع استيعاب وتفكير كلّ منهما ؟ ! مؤلّفنا الكبير ، يتّخذ - في إجابته على هذا السؤال - أسوأ التعابير وأضعف التبريرات فيقول : والاتجاهان الرئيسيّان اللذان رافقا نشوء الأمّة الإسلاميّة في حياة النبي ( ص ) منذ البدء هما : 1 - الاتجاه الذي يؤمن بالتعبّد بالدين وتحكيمه والتسليم المطلق للنص الديني في كلّ جوانب الحياة « وهم الشيعة » . 2 - الاتجاه الذي لا يرى أنّ إيمانه بالدين يتطلّب منه التعبّد إلّا في نطاق خاصٍ من العبادات والغيبيّات ، ويؤمن بإمكانيّة الاجتهاد ، وجواز التصرّف على أساسه بالتغيير والتعديل في النص الديني ، وفقاً لما تقتضيه المصلحة العامّة للمجتمع . وهذا ممكن في ما لو لم يخطئ فيعارض « المصالح الأخرى » « 1 » . إذن ، فسبب الاختلاف بين علي وأصحابه ( أولى جبهات الشيعة ) مع مؤسّسي السقيفة والخلافة الأولى ، يكمن في نوعية الاستيعاب لسنّة الرسول ومفاهيم الإسلام ، بحيث كان اتجاه علي ( ع ) هو التعبّد أو ( نظريّة التعبّد ) ، كما يقول المؤلّف ، بينما كان مخالفوه - وهم غالبيّة الأصحاب من الطليعة المؤمنة الزكية - من مؤيّدي « نظريّة الاجتهاد » ! . فأولئك كانوا لا يسمحون بأيّ نمط من أنماط الاجتهاد ولا يشعرون بضرورة التحوّل الزمني وما يطرأ من ظروف وحيثيّات بما تقتضيه المصالح الاجتماعيّة ، أمّا هؤلاء فكانوا الواقعيّين والتقدّميين في مقابل المتعصّبين للمذهب ، يتطلّعون للأمور من منطلق واقعي بتفكير منفتح ومتجدّد ، يراعي متطلّبات العصر المتغيّرة ، وما تقتضيه من حلول واجتهادات ، وبالأخصّ في مسألة الحكم والسلطة ، بمعنى الالتزام بالواجهة الاعتقاديّة للدين وأسسه الفكريّة والمعنويّة ، أمّا الأحكام العمليّة والأنظمة الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة ، فإنّها تخضع للاجتهاد والمطابقة . نعم - وكما يقول المؤلّف - : « هذا ممكن في ما لو لم يخطئ فيعارض المصالح الأخرى » ! « 2 » . أيّها القارئ لهذه العبارات - بصفتك المسلم الواعي والمثقّف لا بوصفك شيعيّاً - كيف يمكنك التمييز بين الحق والباطل ؟ وهل أنّ الحق كان مع علي أم مع عمر ؟ وما هو الفرق بين استيعاب وفهم هذين الاتجاهين للإسلام وأفعال الرسول ؟ فلا شكّ أنّك بهذه الطريقة سوف ترجّح أصحاب « نظريّة الاجتهاد » على « نظريّة التعبد » ، وأنا أعلم جيّداً ، أنّ انتساب الشيعة « للتعبّد » جاء ردّاً على اتهامهم بالرافضة وادعاءات أهل السنّة ، محاولةً منهم للدفاع عن مبدأ التشيّع وتبرئته ، وقد أشرت في كتابي « علي : مكتب وحدت وعدالت » إلى أنّ الشيعة أكثر الفرق الإسلاميّة تسنّناً ، لكن هناك ملاحظات على طريقة التعبير والاستدلال ، واختيار المصطلحات ، وتأثيراتها على التفكير الواعي للجيل الجديد .
هامش
( 1 ) لم أعثر على هذا النص الأخير عند الشهيد الصدر في الأصل العربي وإن وضع الصفحة الدكتور شريعتي وهي : 74 ( المترجم ) ( 2 ) أنا لم أفهم المراد من هذا الشرط ، فهل من الممكن أن يطرح رأي ما مخالف للنص ، ويحكم عليه بالصّحة ؟ ما هو الملاك في الخطأ ؟ لا بدّ أن يكون مراده عدم مخالفة اجتهادهم لمصالح المسلمين الأخرى ، فيحكم عليه بالخطأ ، لكن - على أيّ حال - ثمّة غموض في الجملة المذكورة .