تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
أمّا الجانب الإيجابي الوحيد في المسألة فهو ما أكّد عليه الفكر الشيعي ممّا يبعث على الفخر والغرور ، من أنّ الاجتهاد إنّما هو عندنا ، وليس عندهم ، إلّا أنّه استبدل مع الخصم ، فأصبحنا نحن أهل التعبّد وهم أهل الاجتهاد ! وتبقى القضيّة المهمّة في البحث ذاك التبرير السطحي لاختلاف جبهة الأقليّة العلويّة مع أكثريّة السقيفة على أنّه كان اختلافاً هامشيّاً يتبع المزاج ، أو أنّه كان من نوع المناظرات المدرسيّة في الفقه والكلام ، صحيح أنّ هذا الخلاف لم يأخذ طابعاً انفعاليّاً في الظاهر ، نظراً لما بذله علي من حكمة سياسيّة وتحمّل ، لضرورة المحافظة على وحدة المسلمين في بداية بزوغ نور الإسلام ، وما أحيط به من مخاطر خارجيّة من قبل إمبراطوريّات الشمال والشرق ، ومخاوف حروب الردّة من الداخل ، ولهذا لم يحارب عليّ انتخابات السقيفة الانقلابيّة من قبل أصحاب أبي بكر ، ولم يتجاوز الخطوط الحمراء ، وعندما قطع الأمل في استرجاع السلطة والقيادة لم يمارس أيّ ضغوط لتضعيف جناح الأكثرية ، بل وعلى العكس من ذلك تماماً ، ساهم في إرساء دعائمها بمبايعته ، لها ومشاركته في صلاة الجماعة ، حتّى أنّه كان يعينهم في ظروفهم الحسّاسة بإرشاداته ، باعتبارهم الممثّل السياسي للإسلام ، ذلك كلّه كان من أجل الحفاظ على بيضة الإسلام حيال أعدائه من الداخل والخارج ، بغية إضفاء صورة مقتدرة وموحّدة للمسلمين ، بغض النظر عن الانقسام الداخلي بين الكتلتين الاجتماعيّتين المتضادتين ، والتي تمثّل إحداهما الجماهير المضطهدة المحكومة ، وبطبيعة الحال يستلزم كونها ثوريّة تطالب بإجراء العدالة ، والأخرى الطبقة الحاكمة وتشمل نخبةً من الأشراف ، لا تقتبس من الإسلام سوى مفاهيم ذهنيّة وعاطفيّة ، حاولوا من خلالها الحفاظ على مصالحهم وعاداتهم ومكانتهم المتميّزة في المجتمع . وإذا أردنا قياس الانقلاب التغييري في الإسلام بالثورة الفرنسيّة ، فسوف يكون تقسيم الاتجاهين في الإسلام إلى اليمين المحافظ واليسار الثوري ، وكلا الاتجاهين كان لهما وجود خارجي في عهد الرسول ( ص ) ، وهو ما يظهر جليّاً في تصرّفات الصحابة في حروب النبي ( ص ) ، كما هو الحال في موقف بلال مع عبد الرحمن بن عوف في بدر بخصوص قتل أميّة بن خلف وابنه علي بن أمية ، أو تركهما ، وهذه مسألة طبيعيّة في كلّ حركة أو ثورة ؛ ذلك أنّها قد تخضع - بعد انتصاراتها وفراغها من الحروب وتحقيق أهدافها - لانشقاقات في وجهات النظر والأفكار ، وخصوصاً فيما إذا فقدت زعيمها ، وكذلك الحال الذي حصل بالنسبة للإسلام ، فمثل هذا الانقسام كان موجوداً بين طيّاته ، تمثل بعد رحيل النبي ( ص ) بعلي ( ع ) وأصحابه ، وهم الأقليّة ، مقابل الشيخين وأتباعهما ، وهم الأكثريّة . وعلى هذا الأساس ، تكون نشأة التشيّع نشأةً طبيعيةً ومن صميم الإسلام ، إذن ، كان هناك جناح متمرّد في المجتمع ، مقابل جناح محافظ قائمٍ على أسس وركائز أصيلة وهم الأقليّة ، إذ لم ينطو اسم علي على سمات الأفضليّة والأولويّة فقط ، بل كان يمثّل حركةً متعالية ذات مواقف حازمة في عمق المجتمع الإسلامي وثورة التوحيد ، وكذلك الحال بالنسبة للتيار المخالف ، فلم يكن الجانب الوحيد فيه سلبيّاتهم الشخصيّة أو إخفاقاتهم العلميّة ، بل كانوا يمثّلون تيّاراً معارضاً مع قاعدة شعبيّة أوسع من غيرها ، من هنا ، يجب علينا استعراض العوامل الأساسيّة عبر مطالعة الرواسب الطبقيّة للشخصيّات التي أحاطت بعلي والتي تمثّل الجناح المخالف له ، ويتحتّم علينا أيضاً تقصّي البنى التحتيّة لتلك الصراعات السياسيّة بين الطرفين . وأنا أعتقد أنّ السيّد الصدر هو الأجدر بدراستها وتحليلها ، لضلوعه بالاقتصاد الإسلامي ، ولكونه مفكّراً مطّلعاً على أمور زمانه ، ليقرّر مصير الحقيقة من ثنايا تاريخ التشيّع والتسنن ، وما آلت إليه طبقات هاتين الحركتين . وفي الختام ، أستميحكم عذراً لإطالتي عليكم الحديث ، فالظاهر أنّي عوّضت عن سكوتي طيلة السنين
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 364 | أحمد عبد الله أبو زيد العاملي