تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
الرسول ( ص ) ، لا بل انقلبوا على أعقابهم حتّى قبل وفاة الرسول ( ص ) عندما كان على فراش الموت ، فقد تحوّلت المدينة التي وصفها الرسول ( ص ) من حيث تغلغل الإيمان في صميمها كنفوذ الأفعى في حجرها ، إلى محتدم من الصراعات والمؤامرات السياسيّة ، بينما كان الرسول ( ص ) يلفظ أنفاسه الأخيرة ، لتجدّد الجاهلية نفسها في المدينة ، فكلّ شيء عاد غريباً إلى أن وصل بها الأمر للتنكّر لفاطمة الزهراء ، وكأنّها لم تكن تعرفها سابقاً . وذلك البيت الذي كانت روح رسول الله ( ص ) ترفرف فيه ، والذي ضمّته المدينة وعشقته سرعان ما تجاهلته ، متناسيةً كلّ النداءات والمصاعب والمحن التي شهدها هذا البيت في إبلاغ الدعوة ، ليخوضوا صراعاً جديداً مع الرسول ( ص ) وبنمط جديد يتمثّل بمحاربة علي وأهل بيت الرسول ، وإقصاء بني هاشم عن الساحة السياسيّة ، فأعلنوا موقفهم صريحاً : « إنّ الرسول كان من بني هاشم ، فإذا كان خليفته من بني هاشم أيضاً فسوف يستولي بنو هاشم على الملك إلى الأبد ، ولن يتسنى لأحد الوصول إلى الحكم » . ماذا تستبطن هذه الكلمات يا ترى ؟ ! وما هي الدوافع والأهداف من وراء طرح هذه الأفكار ، وانتشار النزعات العنصريّة والطبقيّة بين هؤلاء ؟ ! نعم ، فهم لم ينتفعوا من أجواء المدينة ومعاصرتهم للرسول ( ص ) وأصحابه ، سوى انتحال الدين لتضليل الناس وممارسة أشكال التحريف والمؤامرة ، وذلك طيلة نصف قرن من التاريخ ، ابتداءاً من السقيفة ، عام 11 للهجرة وحتّى كربلاء ، عام 61 . على أية حال ، أعني من كلامي هذا أنّنا لو تتبّعنا الأمور بحياديّة ، كما لو كان أيّ مستشرق أو مؤرّخ يريد مناقشة مذهب سياسي في الإسلام دون الانحياز لجهةٍ ما ، وأخذنا بعين الاعتبار وجهة نظر تلك الشخصيّات في ما يخصّ النظام السياسي للحكومة والخلافة بمستوى استيعابهم لذلك في الفترة ما بين وفاة الرسول ( ص ) إلى مقتل عثمان ، فإنّنا - ومن خلال هذه الخمس وعشرين سنة - سنتوصّل للطريق الأوّل الذي فرضه المؤلّف ، من أنّ الرسول ( ص ) وكما يقول أبو بكر وعمر ، ذهب وترك الأمّة دون التخطيط لمستقبل الدعوة بعد رحيله ، وأنّه أوكل ذلك لزعماء المهاجرين والأنصار . وهذا ما يقوله أبو بكر من أنّ الرسول ترك أمر الخلافة والقيمومة للمهاجرين بما تقتضيه مصالحهم ، أي أنّه قام بإلغاء جميع الأصول من « الوصاية » و « التنصيب » أو « الشورى وإجماع الأمة » ، وكذلك إجماع أهل الحل والعقد ! . أمّا إذا أردنا رفض هذا الاحتمال لأنّه يتنافى مع شخصيّة الرسول القياديّة الملمّة بخفايا الأمور ، فلن يبق أمامنا سوى اختيار أحد الاحتمالين الآخرين . والذي يُستشف من الأحداث وكلام كبار الصحابة تأييدهم لنظام « الشورى والإجماع » ، فرغم انكماش حركة الانحياز لموضوع الشورى ، إلّا أنّ أكثرهم صادَقَ عليه وعمل به ، بمن في ذلك مخالفي الشيخين من الأنصار ، بل حتّى الإمام علي ( ع ) ، رغم أنّه كان يعتبر ذلك غصباً لحقّه ، لكنّهم عندما وصلت المسألة لوصاية الإمام علي ( ع ) جحدوا بكلّ ما قد عملوا به سابقاً ، وكأنّهم لم يعرفوا ويسمعوا بهكذا مفهوم من قبل . ولذلك نحن نقول : لا يمكن الاعتداد بأقوال وأفعال هؤلاء خلال ربع قرن ، لنفي الشورى من الإسلام وسنّة الرسول ( ص ) ، وزعم أنّها لم تكن موجودة فيهما . 3 - أزمة الثقافة بين التعصّب المذهبي والكلّيانيّة المزيّفة كان الحديث - إلى هنا - عن طريقة التعبير وأسلوب الاستدلال ، لكنّي أودّ التطرّق إلى ما هو أهمّ من ذلك كلّه ، فمع كامل تقديري واحترامي للمؤلّف المحقّق ، ولاعتزازي بالحقيقة ، وتأسياً بأرسطو ، سأبدي رأيي وانتقادي للموضوع الذي أشرت له سابقاً ، أعني التحليل السطحي للأحداث التاريخيّة ، ودور الشخصيّات السياسيّة في صدر الإسلام ، وما حصل من تحوّل وصراعات في مجتمع المهاجرين والأنصار