تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
بعد وفاة الرسول ( ص ) ممّا نجم عنه ظهور التشيّع واثنينيّة الأمّة إلى شيعة وسنّة . لقد حلّق المؤلف بتناوله هذا الموضوع الرئيسي بتحليل ودراسة في أعلى مستويات الجوّ ، ممّا أفقده السيطرة ، فاضطر للهبوط العشوائي ، كما يقول الطيّارون ! . وغالباً ما نصاب بهذا التأرجح الشديد ، فتارةً تقودنا البغضاء وسوء الظن والتعصّب للخروج عن النصّ والموازين الإسلاميّة ، بل الأخلاقيّة أيضاً . يقول أحد رجال الدين ممّن يملك رصيداً من الدراسات التاريخيّة ، في هذا الصدد : « قد يجرّنا تعظيم الخلاف بين الشيعة والسنّة إلى القول بأنّ إلههم غير إلهنا ، وقيامتهم غير قيامتنا ، وأنّ قرآنهم ونبيّهم وإسلامهم غير قرآننا ونبيّنا وإسلامنا » . من يكون عمر ؟ عمر « المأبون » كان مع أبيه يجمع الحطب ، ويحمله على كتفه فيتجوّل به بين الأزقّة لبيعه . . . ومن يكون عمر ؟ عمر لعين ، وابن زنا . . . والإمام علي لم يبايع إلّا حرصاً على نفسه ، ولم يصلّ خلفهم طيلة خمس وعشرين سنة إلّا حرصاً على نفسه ، ولم يعط ابنته للخليفة عمر إلّا حرصاً على حياته وسلامته . . . انظروا إلى هذه الذهنيّات واقرؤا الموازين التي تقيس عليّاً وطموحاته بمستوى طموحاتها المحدودة . وتارةً أخرى ، يقودنا حسن الظن والتفاؤل ويحكم حركتنا ومسيرنا ، حتّى أنّ أحد كبار الفقهاء المعاصرين الشيعة يعتبر الخلاف بين التشيّع والتسنن ، خلافاً بين فقيهين في استنباط الحكم الشرعي ! . أنا أعتقد أنّ هذين الاتجاهين - مع تضادّهما في المنحى والتفكير - ابتعدا [ كلاهما ] عن الواقع والحقيقة ، وغالباً ما يكون وراء هذين الاتجاهين دوافع سياسيّة ، غير أنّها متباينة في ما بينها ، فأحدهما يتبع منهجيّة الوحدة الإسلاميّة وتوحيد صفوف المسلمين حيال التحديات الاستعماريّة وأخطار الصهيونيّة والغزو الثقافي من قبل الإمبرياليّة الرامية للقضاء على الإيمان والقيم الأخلاقيّة ، وهذا ما يبعث على التفاؤل لإرساء دعائم الوئام والوحدة الإسلاميّة بين قطبي العالم الإسلامي ، لتأسيس أمّة إسلاميّة مستقلّة مقتدرة واعية في هذا العصر ، والثانية بعكسها تماماً ، إذ تهدف لإلقاء الرعب والتشاؤم وتأجيج نار الفتنة بتفكيك المجتمع الإسلامي بما يصبّ في منافع الإمبرياليّة العالميّة وعملائها . وبالإضافة للاختلافات في ما بينهما في العلاقات الاجتماعيّة ، تتطلّع الحركة الأولى لإقامة علاقات عامّة مع مفكّرين لهم أهداف سامية على المستوى العالمي ، برؤية كونيّة أوسع تشمل جميع بقاع العالم على مرّ العصور ، أمّا الثانية فتتقوقع على ثلاث مدن دينيّة تمثّل رؤوس المثلّث لمجتمعهم ، وتشمل بقالي الأزقّة ، وعدداً من رهبان التجارة ، ممّن يتمتّعون بظروف ماليّة جيّدة بحمد الله ، وقد تشمل مجموعة الدجل والخديعة الذين يرتدون ويخلعون زي الدين كالأفعى ؛ تبعاً لمصالحهم ، وأينما درّت معايشهم كأبي سفيان ، فيتصنّعون الشعارات بذريعة ولاية علي بن أبي طالب ( ع ) ، فيدّعون لملء المدينة « بالراكب والراجل » من جيوش الشرك والجاهليّة ، ليجتثّوا أصول الإسلام ومبادئه ، بالاتكال على رؤساء دار الندوة ، وتكتّلات بني غطفان الفوضويّة ، كما أنّ قاعدة خيبر ويهود بني قريظة وبني قينقاع وبني النضير ، من داخل المدينة وخارجها ، لن يتقاعسوا عن تقديم مساعداتهم الماليّة لهم . على كل حال ، يجب أن لا يخضع التحقيق العلمي ، سيّما ما يخصّ المبادئ الأيديولوجيّة ، لأغراض ومصالح جانبيّة ، تؤثّر سلباً على نتائجه ، لأنّ الوصول للحقيقة هو المصلحة الأولى والأخيرة في هذا الباب . وعلينا أن لا نحوّل الخلافات بين السنّة والشيعة إلى صراعات أو مهاترة ، تقودنا للتشكيك في إسلامهم وطهارتهم ، والحكم على جميع المسلمين « غير الشيعة » بالوهابيّة والناصبيّة ، وأنّهم أعداء علي وأهل البيت ، فنقوم بتقديم الصهاينة على مسلمي فلسطين ومصر وسورية . . لنبتهج ونشمت بهم عندما نشاهد الصواريخ والقنابل تسقط على النساء والأطفال الأبرياء ، إضافةً إلى ما يعانون من تهجير وقتل وتعذيب من قبل