تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
الأمر إليه وما جعلتها شورى » . إنّ أولئك العبيد والأراذل أصبحوا - فيما بعد - قادةً واعين ذوي إبداع وكفاءات ، بحيث أحدثوا هزّة كبيرة في ذلك المجتمع ، فأصحاب قوافل الجمال البدويّة أصبحت لديهم مناصب سياسيّة مرموقة في الإمبراطوريّات ، وأثبتوا أفضليّتهم وأولويّاتهم على الأسلاف من شخصيّات حضارة الروم وإيران . إنّ الثورة التغييريّة في تلك البيئة وشخصيّاتها تعتبر من معاجز الرسالة ، والتنكّر له تنكّر وتجاهل لأبرز أبعاد الرسالة ، وأنا متأكّد أنّ مراد الأستاذ ليس هذا طبعاً ، فإنّ هذا الكتاب ذاته يدلّل على عمق وعيه واطّلاعه على الأمور ، حيث أثنى أحياناً عليهم كثيراً ، لكنّه هنا ومن أجل إثبات الحقيقة ، أراد أن يصوّر الواقع بما تقتضيه المصلحة . 2 - نظريّة الشورى في الخلافة استند الكاتب - وهو في صدد تفنيده لنظام الشورى ، بوصفه نظاماً غير معروف في مستوى الوعي السياسي آنذاك - استند إلى أسلوب جديد وبديع لم نلاحظه سابقاً في المؤلّفات ، وما أكثرها في الحقيقة ، لكنّها ليست سوى إعادة وتكرار لسابقاتها ، أمّا الاستناد الجديد ، فكان عزفاً على الوتر الحسّاس في القضيّة ، لكنّه - ولنفي نظام الشورى - استدلّ في أكثر جوانب حديثه بأقوال وأفعال شخصيّات لم تحظ بتأييد من قبل الشيعة ، وخصوصاً في مسائل السياسة والخلافة . لكنّ السؤال المطروح هنا هو : كيف يمكن لكاتب شيعي الاستدلال بهذه الشخصيّات في معرض نفيه لنظام الشورى ؛ فمثلًا استناده لاستدلال أبي بكر في محاججة الأنصار في السقيفة ، عندما اقترحوا أن تكون الخلافة دوريّةً بينهم وبين المهاجرين ، بإثبات أصل القرابة ووصاية الرسول ( ص ) ، نافياً نظام الشورى والانتخاب من قبلهم ، فكيف يكون ذلك معبّراً عن حقيقة الاعتقاد لدى الشيعي دون اتّفاق باقي الشيعة عليه والعمل به ؟ إذن لا يمكن أن يكون إبدال أصل الشورى بأصل القرابة دليلًا على عدم وجود نظام الشورى في صدر الإسلام ومجتمعه . ألم يستند أبو بكر وأصحابه في صدد محاججتهم لأصحاب علي ( ع ) على أصل الشورى والانتخاب عندما استند أصحاب علي ( ع ) إلى أساس القرابة والوصاية ؟ إضافةً إلى أنّ الإمام علي ( ع ) نفسه قد أشار إلى هذا التناقض فقال :
وإن كنت بالشورى ملكت أموره - - - م * فكي - - - - ف به - - - - - - ذا والمش - - - - - - - - - يرون غُيّ - - - - - بُ وإن كنت بالقربى حججتَ خصيمهم * فغي - - - - - - رُكَ أول - - - - - - - ى بالنب - - - - - - - - - ي وأق - - - - - - - - ربُ
أريد أن أقول : إنّه وكما اقتضت مصلحتهم السياسيّة تجاهل « الوصاية » في غصب حقّ علي ( ع ) ، كذلك من الممكن أن يكونوا قد حاولوا التنكّر للشورى بغية إقصاء سعد بن عبادة ، فما هو السبب الذي برّر التنكّر والتجاهل في مسألة « الوصاية » دون « الشورى » ؟ ! وإذا أردنا الاستناد في سياق معالجة موضوع الخلافة والقيادة إلى هذه الشخصيّات وأفكارها ممّن لعبوا الدور الأساسي في وضع سيناريو السقيفة وإرساء دعائم التاريخ الإسلامي والتحكّم بمصير الأمّة بعد الرسول ( ص ) ، فسوف نخرج - بالتأكيد - بنتيجة لا يؤيّدها الفكر الشيعي نفسه ، بل إنّ هكذا استدلال وبهذه الطريقة سوف يكون مخالفاً للفكر الشيعي والأسلوب العلمي أيضاً . المسألة الأساسيّة هنا تكمن في التشكيك بحسن نواياهم السياسيّة ، إنّ أولئك الرجال من المهاجرين والمجاهدين ممّن كانوا بمثابة الحواريّين للرسول ( ص ) قد اتّخذوا موقفاً سياسيّاً ضدّ « علي » بعد وفاة