بالسؤال ، وكانوا يرون أنّ من الترفّع السؤال عن حكم قضايا لم تقع بعد » « 1 » .
« ويمكننا أن نلاحظ بهذا الصدد ، أنّ مجموع ما نقله الصحابة من نصوصٍ عن النبي ( ص ) في مجال التشريع ، لا يتجاوز بضع مئات من الأحاديث ، بينما كان عدد الصحابة يناهز اثني عشر ألفاً على ما أحصته كتب التاريخ » « 2 » .
« هذا الاتجاه هو الذي أدّى إلى ضآلة النصوص التشريعيّة التي نقلوها عن الرسول ( ص ) ، وهو الذي أدّى بعد ذلك الاحتياج إلى مصادر أخرى غير الكتاب والسنة ، كالاستحسان والقياس ، وغيرهما » « 3 » .
« وأنّهم لم يدقّقوا في المسائل الدينيّة التي سمعوها من الرسول ( ص ) أو شاهدوها . ( وذكر على سبيل المثال لذلك ) : الصلاة على الميت ، فإنّها عبادة كان النبي ( ص ) قد مارسها علانيةً مئات المرّات ، وأدّاها في مشهد عام من المشيّعين والمصلّين ، وبالرغم من ذلك يبدو أنّ الصحابة كانوا لا يجدون ضرورةً لضبط صورة هذه العبادة ، ولهذا وقع الاختلاف بينهم بعد وفاة النبي في عدد التكبيرات في صلاة الميت ، فما اختلفوا في ذلك حتّى قبض أبو بكر ، فلمّا ولّي عمر أرسل إلى رجال من أصحاب رسول الله ( ص ) وقال لهم : . . . فانظروا ما تجمعون عليه » « 4 » .
« وهكذا نجد الصحابة كانوا في حياة النبي ( ص ) يتّكلون غالباً على شخص النبي ( ص ) ولا يشعرون بضرورة الاستيعاب المباشر للأحكام والمفاهيم ما داموا في كنف النبي » « 5 » .
« وكلّ ما تقدّم يدلّ على أنّ التوعية التي مارسها النبي ( ص ) على المستوى العام في المهاجرين والأنصار لم تكن بالدرجة التي يتطلّبها إعداد القيادة الواعية الفكريّة والسياسيّة لمستقبل الدعوة وعمليّة التغيير ، وإنّما كانت توعيةً بالدرجة التي تبني القاعدة الشعبيّة الواعية التي تلتفّ حول قيادة الدعوة في الحاضر والمستقبل » « 6 » .
شخصياً ، لا أتصوّر وجود مبرّرٍ لتهميش دور الصحابة أو القدح بهم بغية إثبات عظمة الإمام علي ودوره وأهميّته . إننّي ركّزت - وكما تعلمون - في بحث الأمّة والإمامة من منطلق اجتماعي ، على إثبات الوصاية وضرورة وجود دور إيجابي للرسول ( ص ) في تحديد مصير أمّته ومستقبلها وعقائدها ، وقد ارتكز البحث [ هناك ] على محاور ، منها : توفّر النشاط والحيويّة في المجتمع ، والانقلاب التغييري ، وكذلك إحياء دور عناصر المجتمع وقوّة إرادتهم ومستواهم الأخلاقي والثقافي في الجاهليّة وأشرافها ، في عمق المجتمع الجديد ، مؤكّداً على ضرورة استدامة الدعوة الثوريّة بقيادة تغييريّة أيضاً تتسلّم زمام الأمور بعد رحيل الرسول ( ص ) .
لكنّ ذلك لا يعني الحطّ من قيمة الجيل الطليعي في صدر الإسلام ، فقد كان من معاجز الرسول ( ص ) التغيير النوعي في المجتمع الجاهل ليصنع من « أراذل الناس » - حسب التعبير القرآني ولسان حال طبقة الأشراف في المجتمع - شخصيّات هامّة لعبت دورها في المرحلة التغييريّة آنذاك ، فقد صنع ( ص ) من ذلك البدوي « جندب بن جنادة » شخصيةً فذة ، أصبحت فيما بعد « أبو ذر الغفاري » ، وكذلك صنع من عبد ذليل « سالم » شخصيةً لها ثقلها في المجتمع ، بحيث إنّ رجلًا كعمر قال فيه : « ولو كان سالم حيّاً لجعلت هذا
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : 42
( 2 ) المصدر نفسه : 41
( 3 ) المصدر نفسه : 43
( 4 ) المصدر نفسه : 48
( 5 ) المصدر نفسه : 49
( 6 ) المصدر نفسه : 58 .