التحليل الواقعي للمسألة ، وتتبّع جميع الاحتمالات وتفنيدها بكلّ شجاعة ومهارة ، خوضاً في لجج المعاندين ، ليخرج بعد ذلك كلّه بدحضهم مرفوعَ الرأس ومحقّقاً نجاحاً كبيراً في هذا المجال .
هذا ما يتعلّق بالفصل الأوّل للكتاب وحديثه : « كيف ولد التشيّع ؟ » ، وخصوصاً مسألة « الوصاية » ، في مقابل الموقف السلبي من قبل الرسول ( ص ) المتمثّل بترك الأمّة دون التخطيط لمستقبلها ، أو العمل بنظام « الشورى » . وقد امتاز البحث العلمي بقوّة الاستدلال وأسلوبه الرصين والمدروس ، ناهيك عن ميزة التداخل المترابط فيه ، ممّا قلّ نظيره في أكثر الكتابات الدينيّة ، وخصوصاً في هذا المضمار .
أمّا الفصل الثاني « كيف وجدت الشيعة ؟ » ، فقد تابع فيه مؤلّفه قوّة الاستدلال المنطقي والتاريخي ، بغية إثبات حقيقة التشيّع ، وأنّه الامتداد الطبيعي والسليم للدعوة الثوريّة ، النابع من صميم الإسلام والرسالة .
ملاحظات ناقدة :
لكن لو تسمحوا لي بإبداء رأيي في هذا الخصوص ، كسائر القرّاء ، وأن أشير إلى الإخفاق في قراءة مفكّرنا للوقائع والأحداث التاريخيّة والاجتماعيّة الكاشفة عن وجود اتجاهي التشيّع والتسنّن ، فلم تكن نظرته هنا تعبّر عن عمق ، وخصوصاً في ما يخصّ دراسة أهم مسألة في الإسلام ، أعني مسألة ولادة التشيّع في أكناف الأيديولوجيا الإسلاميّة والدعوة الثوريّة في التاريخ والمجتمع الإسلامي ، فقد اقتصر هذا المبحث المهم على تحليل سطحي للجانب التاريخي للأحداث والشخصيّات في صدر الإسلام ، دون التعمّق في العوامل والأسباب الاجتماعيّة لذلك . وفي ما يلي بعض ملاحظاتي في هذا الصدد :
1 - نقد مقولة عدم كفاءة الصحابة
من بين الطرق الثلاثة المقرّرة في البحث ( ترك الأمّة وشأنها ، نظام الشورى ، وتنصيب النائب للرسول ( ص ) ) . وفي ما يخصّ تفنيده للطريق الثاني ، أوعز الكاتب ذلك لانعدام الكفاءة والوعي في أصحاب الرسول ( ص ) للقيمومة على الدعوة من بعده ( ص ) ، فيما أثبت التاريخ والوقائع خلاف ذلك . لكنّ مشكلة الصحابة في هذا الصدد كانت معاصرتهم لشخصيّة فذّة باسم الإمام علي ( ع ) وحسب . من هنا كانت القيم والكفاءات كلّها تتصاغر في قبال صفاته ( ع ) ، فلا يقاس بعلي ( ع ) أحد ، فهو عبارة عن يوتوبيا متجسّدة في رجل ، وهو رجل السياسة الشجاع والوطني الثائر .
فعليّ - كما قلت سابقاً - « حقيقة من نوع الأساطير » و « هو إنسان يفوق الإنسانيّة » ، حاولوا أن تنظروا للشخصيّات المرموقة من المهاجرين والأنصار في غياب علي ( ع ) . وبغض النظر عنه ( ع ) ، جرّبوا - مثلًا - مقارنة أبي بكر وعمر بجميع القادة السياسيّين ، والسلاطين والأباطرة ورؤساء الدول على مرّ التاريخ ، لقد رسم المؤلّف صوراً منبوذة للمهاجرين والأنصار ممّن التفّوا حول الرسول ( ص ) ، وتربّوا في أكنافه ، مساهمين في أكبر ثورة تاريخيّة عرفتها البشريّة ، بغيةً منه ( المؤلف ) لتهيئة الأرضيّة اللازمة للحكم عليهم مسبقاً ، وتهميشاً لدورهم ، وتعمّداً منه لتتبّع زلّاتهم ونقاط الضعف فيهم ، مع تجاهل قيمهم وجداراتهم الشخصيّة جميعها ، وهذا ممّا يبعث على استحقار القارئ لدور الرسول التغييري في المجتمع الإنساني ، وما أنشأه من جيلٍ في تلك الفترة . ولا أعني بالقارئ ، القارئ الشيعي طبعاً ، بل القارئ المحايد أو المفكّر الاجتماعي المستقل . وفي ما يلي قراءة لبعض نصوص الكتاب في هذا الصدد :
« لا نجد فيه ( الجيل الأول ) ملامح ذلك الإعداد الخاص للقيمومة على الدعوة ، والتثقيف الواسع العميق على مفاهيمها » « 1 » .
« لقد كانوا بمستوى محدود من الناحية الفكريّة وسطحيّين ، بحيث كانوا يتحاشون من ابتداء النبي ( ص )
هامش
( 1 ) الصدر ، بحث حول الولاية : 41 .