أصحابها أنفسهم عند سماع النبأ ، فمنهم من رمى نفسه من أعلى العمارة ومنهم من ألقى بنفسه تحت القطار وغير ذلك ، وأمّا المجروحون والمصابون فكثيرون . وهذه أمثلة أذكرها للعواطف التي تطغى على أصحابها . وإذا كان الناس - وهم مسلمون بلا شكّ - يقتلون أنفسهم من أجل موت جمال عبد الناصر وقد مات موتاً
طبيعيّاً ، فليس من حقّنا - بناءً على مثل هذا - أن نحكم على أهل السنّة بأنّهم مخطئون .
وليس لإخواننا من أهل السنّة أن يحكموا على إخوانهم من الشيعة بأنّهم مخطئون في بكائهم على سيّد الشهداء ، وقد عاشوا محنة الحسين وما زالوا يعيشونها حتّى اليوم ، وقد بكى رسول الله نفسه على ابنه الحسين وبكى جبريل لبكائه » .
قال الدكتور : « ولماذا يزخرف الشيعة قبور أوليائهم بالذهب والفضة وهو محرّم في الإسلام ؟ » . أجاب السيّد الصدر : « ليس ذلك منحصراً بالشيعة ولا هو حرام . فها هي مساجد إخواننا من أهل السنّة سواء في العراق أو في مصر أو في تركيا أو غيرها من البلاد الإسلاميّة مزخرفة بالذهب والفضّة ، وكذلك مسجد رسول الله في المدينة المنوّرة وبيت الله الحرام في مكّة المكرّمة الذي يُكسى في كلّ عام بحلّة ذهبيّة جديدة يصرف فيها الملايين ، فليس ذلك منحصراً بالشيعة » .
قال الدكتور : « إنّ علماء السعوديّة يقولون : إنّ التمسّح بالقبور ودعوة الصالحين والتبرّك بهم شركٌ بالله ، فما هو رأيكم ؟ » ، فأجاب السيّد الصدر ( رحمه الله ) : « إذا كان التمسّح بالقبور ودعوة أصحابها بنيّة أنّهم يضرّون وينفعون ، فهذا شركٌ لا شكّ فيه . وإنّما المسلمون موحّدون ويعلمون أنّ الله وحده هو الضارّ والنافع ، وإنّما يدعون الأولياء والأئمّة ( ع ) ليكونوا وسيلتهم إليه سبحانه وهذا ليس بشرك ، والمسلمون سنّة وشيعة متّفقون على ذلك من زمن الرسول إلى هذا اليوم ، عدا الوهابيّة وهم علماء السعودية الذين ذكرت والذين خالفوا إجماع المسلمين بمذهبهم الجديد الذي ظهر في هذا القرن ، وقد فتنوا المسلمين بهذا الاعتقاد وكفّروهم وأباحوا دماءهم ، فهم يضربون الشيوخ من حجّاج بيت الله الحرام لمجرّد قول أحدهم : ( السلام عليك يا رسول الله ) ، ولا يتركون أحداً يتمسّح على ضريحه الطاهر ، وقد كان لهم مع علمائنا مناظرات ، ولكنّهم أصرّوا على العناد واستكبروا استكباراً .
فإنّ السيّد شرف الدين من علماء الشيعة لمّا حجّ بيت الله الحرام في زمن عبد العزيز آل سعود « 1 » ، كان من جملة العلماء المدعوّين إلى قصر الملك لتهنئته بعيد الأضحى كما جرت العادة هناك ، ولمّا وصل الدور إليه وصافح الملك قدّم إليه هديّة وكانت مصحفاً ملفوفاً في جلد ، فأخذه الملك وقبّله ووضعه على جبهته تعظيماً له وتشريفاً ، فقال له السيّد شرف الدين عندئذٍ : أيّها الملك ، لماذا تقبّل الجلد وتعظّمه وهو جلد ماعز ؟ أجاب الملك : أنا قصدت القرآن الكريم الذي بداخله ولم أقصد تعظيم الجلد ! فقال السيّد شرف الدين عند ذلك : أحسنت أيّها الملك ، فكذلك نفعل نحن عندما نقبّل شبّاك الحجرة النبويّة أو بابها ، فنحن نعلم أنّه حديدٌ لا يضرّ ولا ينفع ، ولكنّنا نقصد ما وراء الحديد وما وراء الأخشاب ، نحن نقصد بذلك تعظيم رسول الله ( ع ) كما قصدت أنت القرآن بتقبيلك جلد الماعز الذي يغلّفه . فكبّر الحاضرون إعجاباً له وقالوا : صدقت .
هامش
( 1 ) القصّة التي يوردها السيّد الصدر ( رحمه الله ) مشهورة ، ولكنّ نسبتها إلى السيّد شرف الدين ( رحمه الله ) باطلة بلا إشكال ، فإنّ السيّد عبد الحسين شرف الدين ( رحمه الله ) حجّ سنة 1340 ه - في زمن الملك حسين ولم يحجّ مرّة أخرى في زمن آل سعود ، فلعلّها وقعت مع شخص آخر .