تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
الكبير في وقت مبكر . كنت أراه وهو في قمّة شبابه منكبّاً على التحصيل والعلم ، لا يعرف طعم النوم في الليل إلّا سويعات ، ولا شيئاً من الراحة في النهار ، مكدوداً باستمرار متنامياً باتّصال ، يزداد علماً يوماً بعد يوم ، وهو إلى جانب ذلك [ مكدودٌ ] في العبادة والالتزامات الدينيّة التي تنمّيه روحيّاً ونفسيّاً ، والتي وصل بسببها في السنوات الأخيرة من إقامته في النجف الأشرف إلى درجة عالية من الصفاء والروحانيّة . ولا أزال أذكر مرّة كنت أمشي فيها معه فبادرني مخبراً بأنّ حادثة معيّنة سوف تقع عندما نصل إلى النقطة الفلانيّة من الطريق وقد وقعت بالفعل كما أخبر دون أيّ ترقّب مسبق ، وأنا أقدّر أنّ المرحوم كانت له في تلك الفترة من هذه الانفتاحات الروحيّة الشيء الكثير . ولد ( رحمة الله ) في الكاظميّة سنة 1340 في شهر رمضان وترعرع في كنف والده وقرأ بعض المقدّمات عليه وقرأ السطوح على جماعة كعمّه الإمام السيّد محمّد جواد الصدر والحجّة الميرزا علي الزنجاني ، وبعد أن أكمل السطوح تأهّب للهجرة إلى النجف وقد بلغ درجة عالية من الفضل أكبر نسبيّاً بكثير من مستوى دراسة السطوح لما يتمتّع به من ذكاء ونبوغ وجدّ . ولا أنسى أنّه ألّف قبل هجرته إلى النجف رسالة في طهارة أهل الكتاب ورسالة في حكم القبلة للمتحيّر وهما رسالتان لا تزالان بخطّه حتّى الآن ، وهما تدلّان على نضجٍ علميٍّ ودقّة واستيعاب لا يصل إليه عادة إلّا من طوى مرحلة من بحث الخارج بجدّ وكفاءة ، وقد اطّلع وقتئذ على الرسالتين أو على الأولى منهما فقيه آل يس آية الله الشيخ محمّد رضا آل يس فأعجب بما اطّلع عليه ، وذكر أنّ هذا بوادر الاجتهاد . وحينما هاجر إلى النجف الأشرف حضر بحث فقيه آل يس وأبحاث آيات الله الشيخ محمّد كاظم الشيرازي والسيّد محسن الحكيم والسيّد عبد الهادي الشيرازي والسيّد أبو القاسم الخوئي والشيخ مرتضى آل يس ، وقد أجيز بإجازة الاجتهاد من آية الله السيّد عبد الهادي الشيرازي وآية الله الشيخ مرتضى آل يس ، وكتب آية الله الحكيم بشأنه في جواب جماعة يسألونه عن حاكم شرعي يرجعون إليه في مرافعاتهم يشهد بأنّه حاكمٌ شرعيٌّ نافذ الحكم . وقد تمخّض عن نتاج فقهيٍّ جليل في تلك الفترة وهو كتابة شرح استدلالي موسّع لكتاب بلغة الراغبين في فقه آل يس ، وهو الرسالة العمليّة لآية الله الإمام الشيخ محمّد رضا آل يس ، وقد شرح المرحوم هذا المتن الفقهي في عدّة مجلّدات تربو على آلاف الصفحات وهو شرحٌ يدلّ على مرتبة عالية من الاجتهاد والفقاهة وسعة الاطّلاع وحدّة الذكاء . وقد شرع في تدريس الخارج وحضر عليه جماعة من الطلبة نصف دورة كاملة من الأصول الخارج ، وقد انقطع تدريسه هذا بهجرته إلى الكاظميّة حوالي سنة 1380 حيث أصبح هناك محوراً للعلم والدين ومركزاً لزعامتها الدينيّة ، وقد بدأ في الكاظميّة ببحثٍ في التفسير كان يحضره أكثر من مائة من الجامعيّين والمثقّفين ، إضافةً إلى تدريساته الأخرى في الفقه والأصول لعدد من علماء المنطقة في الكاظميّة وبغداد . وقد ازدهرت الحياة العلميّة وأساليب العمل الديني والتبليغ على يده ازدهاراً كبيراً . وكان ( رحمة الله ) يعطي باستمرار لخطّ عمله من روحه وقلبه وجهده ويكلّف نفسه فوق ما تكلّف عادة ، فهو المتهجّد والمتعبّد الذي يقبل على عبادته إقبالًا عظيماً ، وهو المدرّس الذي يبذل من الجهد في تدريسه الشيء الكثير ، وهو المسؤول الديني الذي يمارس مسؤوليّاته ويتفاعل معها بكلّ وجدانه وهمّته . كان - علم الله - في عناءٍ مستمرّ ، ورغم كلّ الأتعاب والجهود كان من أحسن خلق الله استقبالًا للناس ومن أوسعهم صدراً في المعاملة معهم ، حتّى اختار الله له جواره قبل سنتين في ستّة ذي الحجّة . خلّف عدداً كبيراً من المؤلّفات التي تمثّل بمجموعها تركة علميّة من أنفس التركات ، وهي كما يلي :