تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
الاستئناف ثمّ إلى التعقيب وفي النهاية يكون الجميع غير راضين بعدما يكونون قد أنهكوا بالتعب والمصاريف والرشوة والعداوة والبغضاء بين عشائرهم وذويهم . فأجابه أبو شبر : « وعندنا أيضاً نفس الشيء أو أكثر » ، فقال الدكتور : « كيف ؟ » قال : « إذا رفع الناس شكواهم إلى المحاكم الحكوميّة فيكون مثل ما حكيت ، أمّا إذا كانوا يقلّدون المرجع الديني ويلتزمون بالأحكام الإسلاميّة ، فلا يرفعون قضاياهم إلّا إليه ، فيفصلها في بضع دقائق كما رأيت
وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
« 1 » ، والسيّد الصدر لم يأخذ منهم فلساً واحداً ، ولو ذهبوا إلى المحاكم الرسميّة لتعرّت رؤوسهم » . ضحك الدكتور لهذا التعبير وقال : « سبحان الله ! أنا لا زلت مكذّباً ما رأيت ، ولولا ما شاهدته بعيني ما كنت لأصدّق أبداً » ، فقال أبو شبّر : « لا تكذّب يا أخي فهذه بسيطة بالنسبة إلى غيرها من القضايا التي هي أشدّ تعقيداً وفيها دماء ، ومع ذلك يحكم فيها المراجع ويفصلونها في سويعات » ، فقال الدكتور متعجّباً : « إذاً عندكم في العراق حكومتان حكومة الدولة وحكومة رجال الدين » ، فقال : « كلّا عندنا حكومة الدولة فقط ، ولكنّ المسلمين من الشيعة الذين يقلّدون مراجع الدين لا علاقة لهم بالحكومة لأنّها ليست حكومة إسلاميّة ، فهم خاضعون لها بحكم المواطنيّة والضرائب والحقوق المدنيّة والأحوال الشخصيّة ، فلو تخاصم مسلمٌ ملتزمٌ مع أحد المسلمين غير الملتزمين فسوف يضطرّ حتماً لرفع قضيّته إلى محاكم الدولة ، لأنّ هذا الأخير لا يرضى بتحكيم رجال الدين ؛ أمّا إذا كان المتخاصمان متلزمين فلا إشكال هناك ، وما يحكم به المرجع الديني نافذٌ على الجميع ، وعلى هذا الأساس تحلّ القضايا التي يحكم فيها المرجع في يومها بينما تظلّ القضايا الأخرى شهوراً بل أعواماً » . وقد دارت في تلك الأيّام حواراتٌ عديدةٌ بين الدكتور وبين السيّد الصدر ( رحمه الله ) ، كان الدكتور يسأله فيها عن كلّ صغيرة وكبيرة من خلال ما عرفه من الأصدقاء الذّين حدّثوه عن كثيرٍ من عقائد الشيعة التي يخالفهم فيها السنّة . سأل الدكتور السيّد الصدر عن الإمام علي ( ع ) ، ولماذا يشهد الشيعة له في الأذان بأنّه ولي الله ؟ فأجاب ( رحمة الله ) قائلًا : « إنّ أمير المؤمنين عليّاً سلام الله عليه هو عبدٌ من عبيد الله الذين اصطفاهم الله وشرّفهم ليواصلوا حمل أعباء الرسالة بعد أنبيائه ، وهؤلاء هم أوصياء الأنبياء ، فلكلّ نبيٍّ وصيٌّ ، وعليُّ بن أبي طالب هو وصيُّ محمّد ، ونحن نفضّله على سائر الصحابة بما فضّله الله ورسوله ، ولنا في ذلك أدلّة عقليّة ونقليّة من القرآن والسنّة ، وهذه الأدلّة لا يمكن أن يتطرّق إليها الشكُّ لأنّها متواترة وصحيحة من طرقنا وحتّى من طرق أهل السنّة والجماعة ، وقد ألّف في ذلك علماؤنا العديد من الكتب . ولمّا كان الحكم الأموي يقوم على طمس هذه الحقيقة ومحاربة أمير المؤمنين علي وأبنائه وقتلهم ووصل بهم الأمر إلى سبّه ولعنه على منابر المسلمين وحمل الناس على ذلك بالقهر والقوّة ، فكان شيعته وأتباعه رضي الله عنهم يشهدون أنّه وليّ الله ، ولا يمكن للمسلم أن يسبّ ولي الله ، وذلك تحدّياً منهم للسلطة الغاشمة حتّى تكون العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين ، وحتّى تكون حافزاً تاريخيّاً لكلّ المسلمين عبر الأجيال فيعرفون حقيقة علي وباطل أعدائه .
هامش
( 1 ) المائدة : 50 .
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 382 | أحمد عبد الله أبو زيد العاملي