تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 332

مساهمون:

ص٣٣٢
لقد وجدت المسؤوليّة عظيمة في مثل هذا البيت ، فلست مجرّد زوج وشريكة حياة لرجل يدرّس مجموعة من طلّاب العلم وكفى ، إنّه آية الله العظمى محمّد باقر الصدر . وبهذا فقد حملت على عاتقي مهمّة تأمين الجبهة الداخليّة للسيّد الشهيد . إنّ مثل هذا البيت كان بحاجة إلى واجهة نسائيّة تعكس شخصيّة الشهيد ، وتقوم بخدمة من يحلّ ضيفاً على هذه الدار . ولم أجد بدّاً من القيام بكلّ ما يتطلّبه ذلك ، من تدبير شؤون المنزل بكلّ تفاصيلها ، رغم قلّة الإمكانيّات وضعفها ، كلّ ذلك صدر منّي بفضل الله ، برضا نفس وطيب خاطر . لَشدّ ما كان الشهيد رقيقاً في مشاعره ، محبّاً لخاصّته ولمن حوله ، حريصاً على ألّا يكلّف أحداً بأمر يشقّ عليه ، ولا حتّى لي أنا زوجه وأخصّ خاصّته . لقد كان بي شفوقاً محبّاً ، لم يشأ يوماً أن يراني مجهدة في ملاحقة تبعات ما تسبّب هو في صنعه ، إذ للشهرة والقيادة تبعاتها وأتعابها . ورضيت بذلك كلّه ، وتحمّلت قسطي الوافر منه بحبٍّ ورجاء فيما عند الله . وهذا ما ينبغي أن تلتزم به المرأة المؤمنة . إنّنا نرى قسماً من النساء يتبرَّمن إذا ما طلب منهنّ الزوج القيام ببعض الشؤون المتعارفة ، ويعتبرنه حكماً ثقيلًا مفروضاً عليهنّ . وقد يقمن به إسقاطاً للواجب والتكليف ليس إلّا ، في مظاهر خالية من مشاعر الدفء والتفاني التي بها تعمر البيوت وتبنى الأسر الناجحة . ولعل الإنصاف يدعونا لأن نقول : لا تثريب على بعض النساء إذا شعرت بذلك التبرّم تجاه شريك لا يستحقّ ، رغم أنّها ستؤجر وتثاب ، إذا ما صبرت وتفضّلت وأعطت . ولكن في حالتي أنا الأمر مختلف تماماً . لقد كنت أرى السيّد الشهيد رجلًا معطاءً ، كريم النفس ، جواد السجايا ، في داخل بيته ومع خواص أهله ، رغم ضيق ذات اليد وعسر المعاش . وبذلك عوَّضنا الشهيد عن السعة واليسر المادي الذي يراه الكثيرون سبباً وحيداً للسعادة والهناء ، عوّضنا عنه بغنى نفسه وكبر روحه وكرم سجاياه الثرّة . . ثمّ من جهتي كنت مقتنعة مؤمنة بأنّ مجرّد اقتراني بشخصٍ مثل الشهيد هو الثروة الحقيقيّة . . كانت القناعة بما رزقنا الله زاداً عظيماً عَمَر وجودنا وصان علاقتنا عن أيّ شائبة ، رغم ضغوطات الحياة ومتطلّبات المعاش التي لا تنتهي . حتّى أنّ الشهيد مرّة كان يتذاكر معي بعض الشؤون المنزليّة وتطرّق للنعمة العظيمة التي نعيشها ، وشكر الله على ما ألهمنا من الرضا والدعة . . ولم يترك الفرصة تمرّ دون أن يوجِّه لي عبارات الثناء . . ثمّ صار يبدي تعجّبه من حدوث بعض المشاكل الزوجيّة والأزمات العائلية لدى الأسر كافّة ، باعتبار أنّ هناك الحب وهناك انصهار كلٍّ من الطرفين في الآخر . . ممّا يمكن معهما أن تذوب أيّ مشكلة وتختفي أيّ أزمة . وفي تصوّره ينبغي أن تكون جميع الأزمات العائليّة والأسريّة التي نسمع عنها مجرّد افتراضات ! « 1 » لقد كان رجلًا مثاليّاً بحق . إنّي أتمكّن أن أقول غير مبالغة بأنّه لم يغاضبني ولو مرّة بحسب ما أتذكّر طوال تلك السنين التسعة عشرة في رفقته . . . وكذلك حرصت ألّا أغضبه أو أختلف معه في كلّ تلك الفترة ، غير أنّي - كي لا أجافي
هامش
( 1 ) نقل لي السيّد حسن عطوي عن السيّد عادل العلوي قوله : إنّ أباه السيّد علي العلوي أجرى ما يشبه الإحصاء فيما يتعلّق بالمشكلات بين الزوجين ، ولمّا وصل إلى السيّد الصدر ( رحمه الله ) وسأله عن الموضوع قال ( رحمه الله ) : وهل يختلف الزوج مع زوجته ؟