تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
كنّا معه والله كذلك ، فطَورًا ينبسط معنا حتّى نتجرّأ للّعلب بالكرة بين يديه وهو مشغول بكتابته ومطالعته ، وقد تسقط الكرة بين يديه فنأتي لأخذها ويستقبلنا بوجهه البشوش الطلق المرح ونحن لا نخشى منه سطوةً أو غضباً . وكان إذا رمق أحدنا بنظرة عتاب وتأنيب كان ذلك كافياً لردعنا بلا حاجة منه للكلام وغيره . وكانت عاطفته وشفقته موزّعة بالسويّة بيننا فلم يَمِل لذكرٍ على حساب أنثى ولا لصغير على حساب كبير . . وليس هذا وحده ، فمن أرشد الأمّة وهي أسرته الكبيرة وأزال عنها ظلام الجهل بدينها ودفع عنها شبهات المستعمرين والمرجفين ، فهو أقدر وأجدر على أن يراعي أسرته الصغيرة ويتعاهدها بالتربية والإرشاد ولم يكن مقصّراً في هذه الناحية أيضاً وحاشاه من التقصير . . فكان حريصاً على التزامنا بشعائر ديننا وأدائنا لفروضه . كان يؤكّد كثيراً على محافظتنا على الصلوات الخمس وأن نؤدّيها في أوّل وقتها ، وكان في بعض الأحيان وهو يرانا مشغولين باللعب ينادي علينا : يا جعفر يا فلانة هل أدّيتم الصلاة أم لا ؟ ؟ وكان يضع لنا برنامجاً خاصّاً - إن صحّ التعبير - في شهر رمضان ابتداءً بالصوم - تدريجيّاً - وحتّى قراءة دعاء السحر في لياليه المباركة ، وكنّا إذا اشتكينا إليه شيئاً أهمّنا أو مرضاً أصابنا كان يحيلنا إلى الدعاء والتضرّع إلى الله سبحانه وتعالى . وأتذكّر مرّة كثرت الانقطاعات للتيّار الكهربائي في أيّام الحجز ، فكنّا نضجر من ذلك فكان يوصينا بل قد يقرأ معنا دعاء الفرج حتّى يعود التيّار . ففي جانب الثقافة الدينيّة : كان يعقد جلسات يجمعنا فيها ويقوم بإرشادنا ووعظنا وكان بعضها يدور حول قصص الأنبياء السابقين ويتعمّد رضوان الله عليه أن يستخلص منها العبر لنا في الصبر والتحمّل في سبيل الله وأنّ هذا يورث رضا الله والفوز في الدارين . وفي الجانب العلمي : كان حريصًا على إكمال إخوتي للتعليم الابتدائي كحد أدنى وعندما وجد في إحداهن القابليّة وجّهها نحو تحصيل العلوم الحوزويّة . وأذكر أن إحداهنّ كان لها مع السيّد جلسات علميّة في تفسير آية قرآنيّة أو شرح حديث شريف وكانت تملي ما يذكره السيّد حتّى تجمّع لديها الشيء الكثير وهي لم تبلغ العاشرة وكان يشجّعها وكان يثني عليها ويعدها بمستقبل زاهر في مجال العلم » « 1 » . 17 - وأخيراً ننقل بعض ما تصفه السيّدة فاطمة الصدر ( أم جعفر ) ، حيث تقول : « بيت السيّد الشهيد من حيث الحجم والإمكانيّات كان متواضعاً صغيراً ، لكنّه كان محطّاً لرحال الكثيرين من الإخوان والزوّار والأتباع والمحبّين ، رجالًا ونساءً ، على مدار السنة . كانت مسؤوليّات الشهيد تتعاظم وتكبر يوماً بعد يوم ؛ فلقد كان مهوىً لقلوب المؤمنين من داخل العراق وخارجه . كان مأوىً يلجأ إليه كلّ من كان يعرف السيّد الشهيد قائداً وعالماً ومرجعاً . قد تعلّقت بشخصه طموح الآمال ، في صحراء مجدبة باليأس والقنوط من أيّ تغيير .
هامش
( 1 ) من مذكّرات السيّد جعفر الصدر على موقع ( والفجر ) على شبكة الإنترنت .
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 331 | أحمد عبد الله أبو زيد العاملي