يشعرون بصعوبة الظروف وأنّ كلّ يوم يرجع فيه بسلامة فهو غنيمة ونعمة عظيمة .
13 - وعندما كان يكتب في غرفة ( الجلوس ) التي تجتمع فيها الأسرة حتّى يكون بين أهله وأبنائه ، فلو أرادت زوجته أن تسكت الأطفال أو تطلب منهم ترك الغرفة يقول لها : « دعيهم ، إنّ أصواتهم لا تزعجني ولا تؤثّر على كتابتي » .
14 - ولم يكن ( رحمة الله ) مستبدّاً في الرأي أو متعجرفاً ، بل بخلاف ذلك تماماً فقد كان يأخذ آراء الجميع في أمور المنزل ويستمع إلى وجهات نظر الجميع ، وعندما يقع حادثٌ أو يأتي مسؤول من الدولة أو تمرّ على العائلة مشكلة كان السيّد ( رحمة الله ) يجمع الأسرة كلّها من الكبار إلى الصغار وينقل لهم ولو بشكل مبسّط ما جرى ويوضح لهم الحال لكي يكونوا على علم بما يجري .
15 - وكذلك كان ( رحمة الله ) مع أولاد أخيه ؛ فكان يحنو عليهم ويهتم بأمورهم ويسعى إلى مساعدتهم ومشاركته معهم في شؤون حياتهم « 1 » .
16 - وممّا يذكره ابنه السيّد محمّد جعفر : « إنّي كنت ألمس اهتمام السيّد قدّس الله نفسه بعمّتنا الغالية وحبّه إيّاها ، وممّا أذكره في هذا الصدد توقيره لها ، فكان يؤثرها بأحسن مجلس إذا التأم مجلس العائلة ويصغي إلى حديثها بكلّ اهتمام وعناية ، وكان يقضي معها وقتاً طويلًا في مراجعة كتاباتها ومقالاتها مستمعًا ومطرياً ، ناقداً ومعلّقاً . كلّ ذلك بخُلُق رفيع ووجه مبتسم واهتمام بالغ حتّى [ / إلى أن ] تنصرف عنه وهي راضية فرحة .
أمّا السيد الشهيد كزوج : فيكفي أن نأخذ شهادة زوجته في حقّه بقولها : إنّه كلّما تمرّ علينا السنين تزداد احتراماً وثقةً به ، إيماناً واستقامةً وعدالةً ، وكأنّه لا حدّ لتلك الصفات .
والحقُّ أقول : إنّني ما رأيته يوماً آذاها بكلمة أو أسمعها ما لا يرضيها ، وكنت أراه في الأيّام التي تكون الوالدة فيها صائمة يلزم نفسه الشريفة أن يعود إلى البيت عند الإفطار ويتفقّد وضعها ويستخبر حالها وما كان يناديها إلّا ( يا ابنة العم ) ، وهذا السلوك جعل هذه المرأة الصالحة ما تذكره حتّى تفيض عيناها بالدموع حسرةً وألماً . . ولا حول ولا قوّة إلّا بالله . .
فبالله عليكم هذا القلب الكبير الذي وسع الأمّة بأسرها وحمل تلك الهموم الجسام وكان الشفيق والراعي لطلبته ومحبّيه ، أقول هذا القلب الكبير كيف يا ترى يكون أباً ؟ !
لقد كان في أبوّته كما هو في كلّ حالاته ، القمّة الشامخة والمثل الأعلى والقدوة والأسوة ، كان الغاية في الشفقة والحنان ولا أخطئ إذا قلت في حقّه كان أباً يحمل قلب الأم الرؤوم الحنون .
فعندما يجد الفسحة والزمن يقضي معنا وقته طورًا ملاعبًا وأخرى مؤدّباً ومربياً ، إذا رأى منّا عملًا صالحاً فرح له وأثنى عليه ، وإذا رأى منّا عملًا دون ذلك أدّبنا بنظراته قبل كلماته .
وإذا علم بمرض أحدنا تراه مضطرباً دؤوبَ السؤال والتفقّد عن صحّتنا ، وإنّي لا أجانب الصواب إذا وصفت حاله معنا بقول ضرار عنه [ ( ع ) ] : ( كان والله معنا كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا سألناه ، وكان مع دنوّه لنا وقربه منّا لا نكلّمه هيبةً له ) « 2 » .
هامش
( 1 ) من مذكّرات أسرة السيّد الصدر ( رحمه الله ) للمصنّف ، ( مخطوط )
( 2 ) المراد حديث ضرار بن ضمرة الكناني بين يدي معاوية بن أبي سفيان عندما دخل عليه وسأله معاوية : « يا ضرار صف لي عليّاً » . انظر : كنز الفوائد 160 : 2 ؛ بحار الأنوار 274 : 23 ؛ شرح نهج البلاغة 225 : 18 .