الحمّام هممتُ بتناول ( سيجارة ) ولكنّني تذكّرتُ ماذا حلّ بي في السوق فقلت لنفسي : ( إذا لم يساعدك أحدٌ في السوق سوى تلك المرأة ، فمن يساعدك هنا ؟ ! خوش عاقبة للشيخ ! ! ) ، وعندها خاطبتُ السيجارة قائلًا : ( يا بنت المحروق . . صدري حرّقتيها ، جيبي فلّستيها وثوبي ذرّفتيها ) ، وذاك يوم وهذا يوم سيّدنا » . فضحك السيّد الصدر ( رحمة الله ) ثمّ قال له : « شيخنا . . من بعد شنو ! » « 1 » .
ملبسه
تنقل والدة السيّد الصدر ( رحمة الله ) أنّه كان في زمن مضى يتقاسم ثوباً واحداً مع أخيه السيّد إسماعيل ( رحمه الله ) ، الذي كان أطول منه ، وذلك عندما كانت حالتهم المادية في ضيق وضنك ، ولم
يكن الثوب على مقاسه ، صالحاً تماماً لأيٍّ منهما . بل كان أقصر من قامة السيّد إسماعيل ، لأنّه الكبير منهما ، في الوقت الذي كان السيّد الصدر ( رحمة الله ) إذا لبسه ، سحبه سحباً على الأرض فكان يرفعه بيديه وهو يمشي ؛ فكان كلّ منهما يرتديه إذا أراد الخروج من المنزل ، ممّا يضطر الآخر إلى البقاء في الدار .
وقد كلّمته زوجته يوماً حول هذا الموضوع ، وقالت له : « حسناً ، تلك حالة استثنائيّة ، وقد مضت ببؤسها وحقرها وفقرها ، فما الداعي الآن والأموال تنكب بين يديك أن تقتصر على اقتناء ثوب واحد وقباء واحد ؟ ! » ، فأجاب : « إنّي أريد أن أواسي أفقر إخواني وأبنائي الطلبة ، وأعزّيهم عمّا هم فيه ، من ضيق الحال ، ( ليحبّرني الله حُلّة خضراء في يوم القيامة ) » « 2 » .
وتنقل زوجته أنّها بعد زواجها منه وجدت أنّه لا يمتلك إلّا دشداشة واحدة ، فسألته : « أين ملابسك ؟ » ، فأجاب بتلقائيّة : « لقد ارتديتها » ، وكانت أمّه حاضرة ، فقالت : « ألم أقل لك إنّ زوجتك سوف تتعجّب من قلّة ما تملكه من ملابس ؟ ! » .
وتنقل زوجته أنّه كان نادراً ما يخيط الملابس أو يشتري ، وكان يكتفي بأقلّ شيء ويقول : « عجباً ! كم جسداً لي حتّى أخيط وأشتري ملابس متعدّدة » « 3 » .
وقيل : إنّه كان [ يأنس ] بصورة خاصّة في أمور المعيشة بالقميص الذي يلبسه وبالقلم الجيّد ، وأمّا ما دون ذلك فلم يكن يشعر بأمر خاص تجاهه « 4 » . ولم تكن تهمّه نوعيّة معيّنة من الملابس ، ولكنّه كان يهتمّ في أن تكون ملابسه مرتّبة ونظيفة ، وقيل : كان يكره بشدّة الإنسان غير المرتّب في ملبسه « 5 » .
يقول الشيخ محمّد رضا النعماني : « كان ( رحمة الله ) زاهداً في ملبسه بالمقدار الذي تسمح به الظروف الاجتماعيّة ، في الوقت الذي كان بإمكانه لبس أرقى الأقمشة . ويعلم الله أنّي ما رأيته لبس عباءة يزيد
هامش
( 1 ) حدّثني بذلك الشيخ أديب حيدر بتاريخ 29 / 7 / 2004 م
( 2 ) وجع الصدر . . ومن وراء الصدر أم جعفر : 145 - 146 . وهو ( رحمه الله ) ناظرٌ في قوله إلى قول رسول الله : « من عزّى أخاه المؤمن من مصيبة كساه الله عزّ وجلّ حلّة خضراء يُحبّر بها يوم القيامة » ، قيل : « يا رسول الله ! ما يحبّر بها ؟ » ، قال : « يغبط بها » ( انظر : مستدرك الوسائل 349 : 2 )
( 3 ) من مذكّرات أسرة السيّد الصدر ( رحمه الله ) للمصنّف ، ( مخطوط ) ؛ وجع الصدر . . ومن وراء الصدر أم جعفر : 145
( 4 ) ملامح من السيرة الذاتيّة ( محدود الانتشار ) ، نقلًا عن السيّد الصدر ( رحمه الله )
( 5 ) مقابلة مع الشيخ نجيب سويدان ( * ) . ولكنّ أحد طلّاب السيّد الصدر ( رحمه الله ) اللبنانيّين نفى أن يكون قد لمس من أستاذه هذه الكراهية طيلة السنوات التي عاشها معه .