في رحاب الدعاء والزيارات الخاصّة
ممّا تنقله زوجته من حالاته أثناء الدعاء والزيارة أنّه كان يقرأ في اليوم العاشر من المحرّم مقتل الإمام الحسين ( ع ) لنفسه وبصوته الشجي . والغريب أنّه كان يقرؤه بلسان دعاء ، أي بالطريقة التي يقرأ فيها الدعاء تماماً . وما أن يبدأ قراءة المقتل حتّى تتغيّر أحواله ويبكي كما تبكي المرأة الثكلى حتّى يصل إلى حال يخشون فيها عليه . والأمر نفسه يحصل عندما يقرأ دعاء عرفة ، حتّى أنّ زوجته في بعض حالاته خشيت أن يصاب بنوبة قلبيّة وهو يقرأ دعاء عرفة فاقتربت منه ولمسته وحرّكته خشيهً عليه وقد رأته في حال انقطاع كامل ، هكذا كان حاله تماماً وهو يقرأ المقتل والدعاء بلحن واحد ونبرة واحدة .
وكانت زوجته تسمعه مراراً وتكراراً يقرأ دعاء الندبة ، والذي كان يلفت نظرها أنّه لا يقرؤه في أيّام الجمعة فقط ، بل كان يقرؤه كلّما كانت هناك مشكلة وشدّة ، وكان يقرؤه متضرّعاً متوسّلًا ، بحيث أصبح مرتكزاً في ذهنها عندما تسمعه يقرؤه أنّ له حاجةً ملحّةً أو أمراً مهمّاً من أمور المسلمين . وآخر مرّة رأته فيها يقرؤه كانت في غرفته في الطابق العلوي في بيتهم في النجف الأشرف في محلّة العمارة ، والواقع قرب الصحن الحيدري الشريف والذي هدّمه البعثيّون ضمن المحلّة كلّها بعد استشهاده « 1 » .
تقول زوجته السيّدة فاطمة الصدر : « كان ل - ه برنامج يومي لا يتخلّف عنه ، لقراءة بعض الزيارات المخصوصة لعامة أئمّة أهل البيت ( ع ) أو لخصوص الإمام الحسين ( ع ) ، والله إنّ زيارة الجامعة الكبيرة كانت ل - ه برنامجاً ثابتاً ومعتقداً راسخاً . . إي وربّي ، ما كان لسانه ليفتر عن اللهج بدعاء الندبة وزيارة عاشوراء . كم أكّد مراراً وتكراراً - وسمعتها منه - أنّه يعتمد كلّ ما في كتاب ( مفاتيح الجنان ) ، ولقد كان يعتبر أنّ كلّ هذه المأثورات إنّما هي علائق ووشائج بين السماء والأرض ينبغي أن يُتعبَّد بها حرفيّاً ، لأنّها باب عريضة إلى الملأ الأعلى ، ووسيلة لا محيص عنها لاستنزال الفيض والرحمة » « 2 » .
وذات يوم كان السيّد الصدر ( رحمة الله ) عند قبر الإمام الحسين ( ع ) في ليلة الجمعة يقرأ دعاء كميل ، فتقدّم أحدهم بسؤال ، فاعترض عليه أحد الجالسين بأنّه ( رحمة الله ) مشغولٌ بقراءة دعاء
كميل ، فقال ( رحمه الله ) : « إنّ السؤال يقرّبني إلى الله أكثر من الدعاء » « 3 » .
زيارة عاشوراء والزيارة الجامعة
يذكر نجله السيّد محمّد جعفر جيّداً - وكان فتى في تلك المرحلة - أنّ والده كان مواظباً على زيارة الجامعة وزيارة عاشوراء ودعاء السمات ودعاء أبي حمزة الثمالي ، وكان له بدعاء كميل أنسٌ خاص . كما كان ( رحمة الله ) يحمل أولاده في أيّام محرّم الحرام على قراءة زيارة عاشوراء كلّ يوم ، ابتداءً من أوّل محرّم إلى يوم الأربعين ، وكانوا يقرؤونها أحياناً معه ، وأحياناً مع والدتهم « 4 » .
هامش
( 1 ) من مذكّرات السيّد جعفر الصدر على موقع ( والفجر ) على شبكة الإنترنت نقلًا عن والدته
( 2 ) وجع الصدر . . ومن وراء الصدر أم جعفر : 163
( 3 ) خواطر محفوظة بدون سند ( * ) ، والمراد أنّ إجابته السائل هي التي تقرّب أكثر من الدعاء
( 4 ) حدّثني بذلك السيّد محمّد جعفر الصدر .