لقد كان ( رحمة الله ) - كما ذكرنا - يحافظ على وضوئه ، فيجدّده في كلّ حين « 1 » ، وكان إذا دخل مسجداً صلّى ركعتي تحيّة المسجد ، وكان ملتزماً بصلاة الليل « 2 » .
وتنقل إحدى بناته أنّها كانت صغيرة وكان الجوّ في النجف الأشرف حارّاً جدّاً ، وكانت الأسرة عادة تنام على السطح ليلًا ، فكانت تستيقظ في بعض الليالي وتراه واقفاً على سجّادته يصلّي بخشوع وخضوع صلاة الليل . ومع أنّه لم تكن هناك ساعة ولكنّ الوقت كان بالتأكيد قبل أذان الفجر لأنّ البيت كان قريباً جدّاً من الحرم الحيدري الشريف ، وكانت القبة الذهبيّة المشرّفة تُرى ويُسمع الأذان في أوقات الصلاة بوضوح « 3 » .
وفي شهر رمضان المبارك رأى السيّد علي أكبر الحائري السيّد الصدر ( رحمة الله ) في إحدى ليالي القدر - ولعلّها كانت الثالثة - في ساعةٍ متأخّرةٍ من الليل في حرم أمير المؤمنين ( ع ) ، وكان يراقبه متأثّراً بحالته المعنويّة دون أن يراه السيّد ( رحمه الله ) .
وبعد أن انتهى من الزيارة وخرج ، تعقّبه السيّد الحائري حتّى إذا وصل إلى قرب داره ، بادره بالتحيّة والسلام إلى أن دخل الدار مع أنّ الوقت غير مناسب ، وقد قبّل يده معتذراً وقال بعد أن كان شاكّاً في صحّة ما ينقل عن بعض العلماء من أنّ أفضل الأعمال هو مذاكرة العلم - : « ما هو أفضل الأعمال في ليلة القدر ؟ ! » ، فأجاب ( رحمة الله ) ما مضمونه : « إنّ ما يبدو لي الآن أنّ أفضل الأعمال في ليلة القدر أشدّها تأثيراً في الارتباط الروحي والمعنوي بالله تبارك وتعالى » « 4 » .
التزامه الزيارة
زيارة أمير المؤمنين ( ع )
كان السيّد الصدر ( رحمة الله ) مواظباً على الحضور عند الإمام علي ( ع ) كلَّ يوم « 5 » ، وكان يحفظ الزيارة عن
هامش
( 1 ) من مذكّرات أسرة السيّد الصدر ( رحمه الله ) للمصنّف ، ( مخطوط )
( 2 ) صحيفة ( لواء الصدر ) ، العدد ( 148 ) ، 7 / شعبان / 1404 ه -
( 3 ) من مذكّرات أسرة السيّد الصدر ( رحمه الله ) للمصنّف ، ( مخطوط )
( 4 ) صحيفة لواء الصدر ، العدد ( 445 ) ، 19 / رمضان / 1410 ه - في حديثٍ مع السيّد علي أكبر الحائري .
وينقل الشيخ [ علي ] آل إسحاق أنّ السيّد الصدر ( رحمه الله ) كان يأتي أحياناً إلى مدرسة البروجردي للمطالعة . وذات مرّة حان وقت الصلاة فأبلغه الشيخ آل إسحاق بذلك فأجابه ( رحمه الله ) : « نعم ، ولكنّي أرى هذا أوجب من الصلاة في أوّل الوقت » مقابلة مع الشيخ [ علي ] آل إسحاق ( * ) . وإذا ضممنا إليها سائر ما نقلناه ، فمن المحتمل أن يكون ( رحمه الله ) في تلك الحادثة بالذات مشغولًا بأمر كان بنظره أهمّ من الصلاة في أوّل الوقت ، ولذلك قال : « هذا » ، أي ما بين يديه بالفعل ، ويكون ما بين يديه بمنزلة إنقاذ الغريق التي يتقدّم على الصلاة في أوّل الوقت حال التزاحم . وإلّا فلا وجه للقول بتقدّم المطالعة على الصلاة في أوّل الوقت ؛ لأنّ المطالعة إن كانت أهم من الصلاة في أوّل الوقت - التي لها الفضيلة القصوى - فهي لا شكّ أهم منها في غير أوّل الوقت ، فيلزم أن يُؤتى بالصلاة في آخر الوقت فقط لصيرورتها واجباً مضيّقاً ، لأنّه إلى ما قبل المغرب مثلًا بمقدار الصلاة ستبقى المطالعة أهم ، بل تزداد أهميّتها باعتبار تناقص فضيلة الصلاة كلّما اقتربنا من آخر الوقت . إضافةً إلى أنّ افتراض أهميّة للمطالعة تفوق أهميّة الصلاة متوقّفٌ على كون المطلوب من وراء المطالعة متعيّناً تحصيلُه في أوّل وقت الصلاة .
( 5 ) صحيفة ( لواء الصدر ) ، العدد ( 147 ) ، 30 / رجب / 1404 ه - ؛ وقد ذكر لي ذلك الشيخ عبد الحليم الزهيري ؛ من مذكّرات أسرة السيّد الصدر ( رحمه الله ) للمصنّف ، ( مخطوط ) .