هنا قد يتراءى في بادئ الأمر أنّه أيّة علاقة بين الميدان الأوّل والثاني ؟ ! ولكنّه سوف يتّضح أنّ العلاقة بينهما مترابطة جدّاً ولا يمكن تفكيكها ، كما ذكرنا أنّ الارتباط بين الوجود النظري والمادّي وثيق جدّاً .
وخلاصة الفكرة أنّه قلنا : إنّ الإسلام أصبح جمرة في يد الإنسان ، بحكم أنّ بناء المجتمع والقوانين التي تنظّم هذه العلاقات والأجهزة الاجتماعيّة التي أنشأتها الحضارة الحاضرة في هذا المجتمعوالقوى الاجتماعيّة المختلفة من سياسيّة واقتصاديّة وعسكريّة وثقافيّة ، هذه القوى بالمجموع ، هذه الكيان هو يشكّل ضغوطاً كثيرةً جدّاً في سبيل مواكبة هذا الكيان . هناك ضغوط كثيرة جدّاً تجعل كلّ فرد يشعر بأنّه يواجهها في سبيل أن لا يقف أمام التيّار ويصطدم بالتيّار وأن يوافق هذا التيّار . وهذا هو معنى الجمرة ، معنى الجمرة أنّه كيف يستطيع أن يقف أمام التيّار الذي يغري التاجر بأن يرابي ، ويغري المرأة بأن لا تستتر عمّا يجب التستّر عنه ، يغري أيّ فرد في الأمّة الإسلاميّة حسب ظروفه وملابساته ، يغري الحاكم بالتعامل مع الاستعمار ، يغري الكاسب بالتميّع والرخاوة ، وأن يعيش حياة الراديو والتلفزيون ، كيف يمكن أن يصمد أمام هذا التيّار ؟ ! هذا الصمود أمام هذا التيّار هو الجمرة ، هذه الجمرة ليس من المعقول ومن المنطقي أن نفكّر أنّنا نستطيع أن نقنع كلّ الناس بأن يتحمّلوا الجمرة ، وليس من المعقول ومن المنطقي أن نقنع عدداً مهمّاً من الناس بأن يتحمّل الجمرة دون توعيتهم على واقع هذه الجمرة وعلى هدف هذه الجمرة وعلى رسالة هذه الجمرة في حياتهم وعلى أنّ هذه الجمرة هناك أمل في أن تتحوّل إلى نور ، إذا لم نستطع أن نخلق في نفوس هؤلاء الناس أنّ هناك أملًا في أن تتحوّل هذه الجمرة إلى نور لا نستطيع أن نجعل الناس يمسكون هذه الجمرة . لا تغترّوا إلى أناس بقوا بقوّة الاستمرار مصلّين ومتديّنين ولا تلتفتوا إليهم .
أنا أخبركم عن جيلين : عن الجيل الذي أنتجه العلماء السابقون ، جيل المقدّسين وجيل المتديّنين المخضرمين ، الجيل الذي عاش جوّ القدس والصلاح ثمّ انفتح على هذا العالم الجديد . هذا الجيل كثير منهم كانوا لا يتحاشون عن استماع الغناء الذي هو من أدنى الشهوات . واليوم الجيل الذي نشأ بعد هذا الجيل ، الجيل الذي نشأ وعنده أمل بأن تتحوّل هذه الجمرة إلى نور في يوم من أيّام أبناء ذلك الجيل الذين نشأوا في أحضان الشيخ علي القمّي يستمعون الغناء فكثيرٌ من أبناء أولئك الذين نشأوا في كلّيّة الطب هم مستشكلون ويترفّعون عن استماع الغناء .
كيف حصل هذا النور وتحمّل الجمرةَ هؤلاء و [ الواحد منهم ] لم يرَ الشيخ علي القمّي ولا قداسة الشيخ علي القمّي ولا أيّام روحانيّة المسجد الهندي ، كيف استطاع أن يتحمّل وهو في صميم الانحراف والفساد ؟ لأنّه استطاع أن يحوّل هذه الجمرة إلى نور بالرغم أنّ أباه ما استطاع .
إذاً فهذا النوع من الجهاد في تحمّل هذه الجمرة يجب أن نفكّر أنّه يحتاج إلى دوافع ، يحتاج إلى توعية ، وهذه التوعية هي عبارة عن جعل هذا الشخص يؤمن بأنّ هذه الجمرة بإمكانها أن تحلّ مشاكله ، تعطيه حياة سعيدة ، تنظّم علاقاته مع الآخرين بأفضل وجه ممكن وتجعله سعيداً وتجعل أمّته أمّة سعيدة مستقرّة ، فكيف يمكن أن نخلق عند هذه الأمّة هذا الأمل ؟ نخلق هذا الأمل بأن نربط ميدان الأوّل بالميدان الثاني ، نجعله يعيش التفكير بأنّ الإسلام يطبّق ككلّ ، لأنّه إذا لم يعش بأنّ الإسلام يطبّق ككلّ حينئذٍ تبقى هذه الجمرة عنده إلى الأبد .
ومقصودنا من تحوّل الجمرة إلى النور هو أنّ هذه الجمرة حينما تتحوّل إلى قوّة تكسر قوّة الجبروت وقوّة الأصنام والأوثان التي خلقتها جاهليّة الأرض على الأرض في ذاك الوقت ، هذا الإسلام الذي كان
جمرة يصبح دين الفطرة ، دين الطبيعة فيصير هو النور ، لأنّ الإسلام [ يناسب ] طبيعة الإنسان ولكنّ الصياغة المنحرفة لطبيعة الإنسان هي التي جعلت طبيعته تراه جمرة بينما في تلك الحالة يراه بأنّ هذا هو
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 260
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص٢٦٠