الإسلام ؟ كان منذ ولد يسمع اسم الإسلام ولكنّه لا يرى وضعه إلّا يزداد بؤساً يوماً بعد يوم وهو يخيّل إليه أنّ الإسلام بخير وأنّه هو بشرّ ، وهو لا يعلم أنّ بؤسه يزداد يوماً بعد يوم ، فبؤس الإسلام يزداد أكثر منه يوماً بعد يوم وأنّ بؤسه نابع من بؤس الإسلام .
إذاً فكيف يمكن أن نكلّفه بأن يقدم على مستوى التضحية ؟ لماذا يضحّي في سبيل الإسلام ؟ لم يحصّل من الإسلام شيئاً .
إنّ المسلمين الأوائل كانوا يبذلون أنفسهم ويضحّون في سبيل الإسلام ويتسابقون إلى ذلك لا للجنّة والنار ، بل كانوا يحبّون الإسلام ويرون أنّ الإسلام هو الذي جاءهم جهّالًا فصنع منهم علماء ، جاءهم متفرّقين فجمع كلمتهم ، جاءهم تائهين فهداهم ، جاءهم فقراء فأشبعهم ، الإسلام أنقذهم من الظلمات إلى النور ، حيث يقول سبحانه وتعالى :
[ اللَّهُ وَلِيُّ ] الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
« 1 » ، وعلى هذا كانوا يخلصون له ويضحّون في سبيله .
أمّا أين الإسلام اليوم ؟ ! كيف يضحّون في سبيله ؟ أين الإسلام اليوم المكبّد المقيّد الغارق في الذلّ والهوان ؟ كيف يمكن أن يشعر بأنّ الإسلام أعطاه شيئاً فماذا أعطاه ؟
نعم ؛ صحيحٌ أنّ الإسلام غير مقصّر ، الإسلام ما أعطاه شيئاً لأنّ الظلمة منعوه من أن يعطيه شيئاً ، لأنّهم وضعوا حجاباً بينه وبين الإسلام ، لكنّ النتيجة [ هي أنّ ] الإسلام لم يغيّر من واقعه شيئاً ، ولكنّ الإسلام يريد منه القبض [ على ] الجمرة ، النار ، يقال له اقبض على الجمرة ، لا أعطيك شيئاً . هذا أمر غير معقول . .
إذاً فهذا الوعظ والطلب من الناس أن يكونوا واعين للإسلام على مستوى التضحية ثمّ يعطيهم الإسلام شيئاً ، هذا أمر غير عملي وغير ممكن . إذاً فلا بدّ من عمليّتين :
الأولى : أنّه حينما نقول لشخص اقبض [ على ] الجمرة ولو تحترق يدك وتشعر بحرارة النار ولو تشمّ رائحة حريق لحمك ، حينما تقول هذا لهذا التاجر أو المرأة والفقير في مقابل هذا نقول له : إنّ الإسلام يعطيك ، إنّ الإسلام الذي تقبض يدك على جمرته سوف يحوّل هذا الجمر بيدك إلى نور ، سوف يحوّل هذه الجمرة في يدك إلى رفاه ، سوف يحوّل هذه الجمرة بيدك إلى سعادة ، لا بعد الموت ، لأنّ هذا الإنسان عاش في عالم الحسّ وفي عالم المادّة ، بل هذا لا يكفي في أيّ وقت من الأوقات ، حتّى في عصر النبيّ ( ع ) ، بل نقول له : اقبض على الجمرة اليوم وغداً الإسلام يشقّ لك طريق السعادة ، إنّ الإسلام منهجٌ قادرٌ على أن يسعدك ، وإنّ شقاءك اليوم وذلّ اليوم لم ينشأ من الإسلام ، وإنّما نشأ من أعداء الإسلام ، نشأ من الفاصل الموجود بينك وبين الإسلام .
وهنا أيضاً نقول : إنّ هذا لا يكفي أن نقول له : هذا الإسلام نظريّاً ، ونقول : إنّ الإسلام يحلّ مشاكل الفقراء أكثر من المادّيّة الديالكتيكيّة ، فإنّ هذا لا يكفي لأنّ الفقير المسكين لا يشبع بهذا . بل نقول له بأنّ الإسلام صيغة قادرة على أن تطبّق . [ إنّك إن كنت ] تفتّش عن طريق لكي تشبع هذا الطريق - يعني الإسلام - يشبعك ، لأنّ هذا القرآن الكريم مجرّد كونه فطريّاً لا يكفي لحلّ مشكلة الأمّة بل لا بدّ وأن نقول للمجتمع : إنّ هذا القرآن جاهز لأن يطبّق وأن يحلّ مشاكلكم في كلّ لحظة وفي أيّ وقت ويأخذ طريقة إلى الحياة ، فلا نعطيه هذا . فبهذا العمل نستطيع أن نترقّب عدد كبير من الناس أن يكونوا على مستوى التضحية - كما يوجد لأيّ شعار آخر - كما حصل القائد ( ع ) على عدد كبير من الناس [ كانوا ] على مستوى التضحية ، على مستوى العطاء للإسلام ، [ شعروا ] أنّ الإسلام هو الطريق وهو المنقذ .
هذه العمليّة الأولى : فبهذه العمليّة استطعنا أن نملك عدداً كبيراً من المسلمين صعّدناهم من الناحية
هامش
( 1 ) البقرة : 257 .