هذا الوجود النظري للإسلام الذي اتّفقنا على أنّه لا بدّ من تبليغه ولا بدّ من حمايته وفقاً للوجوب الكفائي التي [ تضطلع ] هذه الحوزة بامتثاله ، هذا الوجوب الكفائي المتّفق عليه يفرض عليها أن تبلّغ هذا الوجود النظري وأن تحمي هذا الوجود النظري نظريّاً في مقابل النظريّات الأخرى ، لكنّ هذا التبليغ وهذه الحماية النظريّة في شوط قصير نرى أنّهما مرتبطان كلّ الارتباط بالوجود المادّي الواقعي الموضوعي لأنّه في حالة أنّ الوجود الواقعي المادّي الموضوعي في المجتمع يمثّل غير الإسلام في مثل هذه الحالة سوف توضع عواقب وصعاب وموانع عن الممارسة المهمّة على مستوى وجود ما .
لا ينبغي أن نتصوّر أنّنا نستطيع أن نفصل بين هذين الوجودين وأن نمارس وظيفة على المستوى الوجود النظري بقطع النظر عن مسألة الوجود المادّي للإسلام . فليكن الوجود المادّي وجوداً جاهليّاً ، وجوداً لا يقوم على أساس الإسلام ، نحن نشتغل لأن نكوّن تلك الأمّة التي أمر الله تعالى بتكوينها ، أمّة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، لكن هل يمكن أن تتكوّن هذه الأمّة في وضع مادّي موضوعي يجسّد صيغة أنّ المعروف منكر والمنكر معروف ؟ ! في مثل هذا الوضع سوف لن نستطيع التفريق ، وذلك :
أمّا أوّلًا : فلأنّ الموج الهائل من التبليغ المعاكس الذي ينبع ويرتبط بالوجود المادّي للمجتمع الذي يكون مشدوداً ومؤيّداً وسنداً من الوجود المادّي للمجتمع ، هذا سوف يكتسح تبليغنا مهما كان تبليغنا .
نعم ؛ حماية الوجود النظري كان كافيّاً فيما إذا كانت الأمّة لا [ تتّبع ] وجوداً نظريّاً واقعيّاً مادّياً آخر غير الإسلام ، في تلك الحالة نستطيع أن نقول : إنّه لا يوجد تبليغ آخر أكبر من تبليغنا . أمّا في حالة وجود واقع مادّي يسند وجوداً نظريّاً آخر في مقابل هذا الوجود النظري التي نحن نبلّغه ، في مثل هذه الحالة لا يوجد أيّ تكافؤ بين إمكانيّاتنا التبليغيّة والإمكانيّات التبليغيّة الأخرى .
وثانياً : هو أنّه مضافاً إلى أنّ إمكانيّاتهم على المستوى التبليغي الحرّ هي أكبر بكثير من إمكانيّاتنا ، مضافاً إلى هذا فسوف تستعمل القوّة والضغط في مقابلنا ومقابل تبليغنا أيضاً .
إذاً فنحن بحسب الحقيقة على مستوى وجود النظري للإسلام عندنا مسؤوليّة وهي مسؤوليّة تكوين الأمّة الإسلاميّة التي تأمر بالمعروف ، هذه المسؤوليّة مرتبطة كلّ الارتباط بحسب ظروف العالم الإسلامي اليوم بالوجود الثاني ، ما لم يُفكّر في الوجود الثاني لا نستطيع أن نحقّق هذه المسؤوليّة بشكل صحيح . هذا هو بالنسبة إلى الوجود النظري وارتباطه [ بالوجود ] المادّي .
وأمّا الوجود المادّي الواقعي الموضوعي ، هذا يتمثّل في ثلاثة ميادين :
1 - الميدان الأوّل : ميدان الأحكام الإسلاميّة المرتبطة بالفرد .
2 - الميدان الثاني : الأحكام الإسلاميّة المرتبطة بالمجتمع ، أي بالمسلمين .
3 - الميدان الثالث : ميدان العقيدة الإسلاميّة .
أمّا ميدان الأحكام الإسلاميّة المرتبطة بالفرد ، ف - [ حماية الإسلام في هذا الميدان ] تكون عبارة عن جعل الفرد يطبّق أحكام الإسلام المتوجّهة إليه .
وأمّا في الميدان الثاني فتكون حماية الإسلام عبارة عن جعل المجتمع يطبّق أحكام الإسلام وقوانينه المرتبطة بنظام الحكم والاقتصاد وسائر جوانب النظام الاجتماعي .
وأمّا حماية الإسلام في ميدان العقيدة فمعناه إيجاد هذه العقيدة وتثبيتها وإبقائها إذا كانت موجودة كواقع مادّي يعيش في الإنسان الخارجي [ كالوجود النظري في ] القرآن الكريم وفي الكتب .
وهنا عندنا وظيفة على مستوى الميدان الأوّل وهي حماية هذا الإسلام المادّي ، يعني جعل الفرد يطبّق
أحكام الإسلام ، وهذا أيضاً متّفق عليه بحسب الذهنيّة العامّة للحوزة . وإصلاح هذا الجانب لا ينبغي أن يفصل بحال من الأحوال عن الميدانين الآخرين أيضاً .
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 259
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص٢٥٩