ودينها ثمّ تدخل إلى هذه الميادين بلا قناع ولا كرامة ولا دين وهكذا . .
نحن لا يجب أن نفكّر حينئذ في الوعظ الفردي والتحصين الفردي في مثل هذه الحالة . لماذا ؟ لأنّ التحصين الفردي في هذه الحالة لا يمكن أن ينجح إلّا في حالات إعطاء تعبئة على مستوى الاستماتة .
يعني : هذا التاجر لا يمكن أن نقنعه بأن لا يرابيإلّا بأن نبعث فيه نوعاً من الطاعة [ . . . ] والتقوى والخوف من النار إلى حدّ الاستماتة بحيث يترك عمله وتجارته وهكذا . .
وتلك المرأة أيضاً لا نستطيع أن نخلق فيها روح الالتزام بالحجاب والتعاليم الإسلاميّة إلّا بأن نعطي لها درجةً من الوعي والورع والتقوى بحيث تشعر بالاستماتة ، تشعر بأنّها محرومة أغلقت على نفسها كلّ أبواب الحياة في سبيل إطاعة هذا الحكم الشرعي .
ولا ندري أيّ واحد منّا يوجّه إليه حكم شرعي يستوجب أن يطلّق كلّ أبواب الحياة هل يمتثل أو لا ؟ هذا الحكم الشرعي نريد من المرأة أن تمتثله وتطيعه في هذا المستوى من الوعي . في أيّ وقت يمكن أن نطلب امتثال هذه الأحكام من هذا التاجر ، أو من هذه المرأة أو من أيّ فرد من أفراد المسلمين ؟ في وقتٍ لا ينظر المسلمون فيه إلى الإسلام إلّا بفطرة باهتة ، إلّا مجرّد دين موروث من الآباء والأجداد ، إلّا مجرّد تقاليد فيها نوع من الاحترام والقدسيّة . . كيف نستطيع أن نخلق أناساً ورعين على مستوى الجهاد والاستماتة في جوٍّ موبوء بالمغيّرات وبالتميّعات وبالا ضمحلال ، كيف نستطيع أن نخلقه ؟ !
نظريّاً لا يمكن أبداً أن نحصّن هؤلاء الأفراد وأن نجعل منهم أناساً يتمسّكون بالدين على أساس الوعظ ، لأنّ التمسّك بالدين في كثير من الحالات اليوم سوف يكثر هذا وذاك ويصير على مستوى الجهاد . وهذا معنى قولهم ( ع ) : سوف يأتي زمان يكون القابض على دينه كالقابض على الجمرة « 1 » .
إنّنا لا نستطيع من ناحية واقعيّة وعمليّة أن نكلّف الناس أن يكونوا على مستوى القابض على الجمرة ، لأيّ شيءٍ يقبض على الجمرة هذا الإنسان الحسّي المترف الفاقد لأيّ وعي محدّد عن الإسلام ؟ ! لماذا يقدّم تضحيات في سبيل الإسلام ؟ ! من أجل أيّ شئ يقدّم هذه التضحيات ؟ ! من أجل الجنّة والنار ! فإنّ فكرة الجنّة والنار أصبحت غير مهمّة في ذهن أكثر الناس ، يعني تيّارات الفكر المادّي سيطرت الحسَّ على عقل الإنسان وغلّبت النظرة القصيرة عند الإنسان ، أصبحت لا تجعل فكرة الجنّة والنار عند الإنسان لها ذاك المفعول الكبير الذي كان موجوداً ، لأنّ الإنسان أصبح يربّى تربية مادّيّة ، ينشأ نشأة مادّيّة ، ينشأ على أساس أرقام محسوسة ، على أساس أنّ عصفوراً في اليد خيرٌ من ألف عصفور في الغد . . فطريقة التربية ، طريقة الأساليب بالنسبة إليه توجب أن تتضاءل عنده فكرة الجنّة والنار لكي تستثيره ، قد يؤمن عقليّاً بها وكثيراً ما يؤمن بها ، ولكنّها حسّيّاً لا تحرّك عواطفه .
إذاً فالإسلام كيف يستطيع أن يرفع هذا إلى التضحية الكبيرة ؟
هذه المرأة كيف تستطيع أن تضحّي في سبيل الإسلام ؟ ماذا أعطاها الإسلام حتّى تضحّي في سبيل الإسلام ؟ وكثيراً ما يكون هؤلاء الناس الذين نريد أن نجعلهم على مستوى التضحية كثيراً ما قاسوا من ألوان الظلم والاضطهاد والتعسّف الذي قيل لهم باسم الإسلام . . كثيراً ما قاسى هؤلاء أشكالًا متعدّدة من الظلم أو من الحرمان ، وقيل لهم هذا هو الإسلام .
هذا الفقير الذي نريد أن نحصّنه على مستوى التضحية في الإسلام ، هذا الفقير ماذا حصّل [ من ]
هامش
( 1 ) لم نجده سوى في ما أرسله الشيخ الطبرسي ( رحمه الله ) عن عبد الله بن مسعود في وصيّة رسول الله إيّاه : « . . . يا ابن مسعود ! يأتي على الناس زمانٌ الصابرُ فيه على دينه مثل القابض على الجمر بكفّه ، فإن كان في ذلك الزمان ذئباً وإلّا أكلته الذئاب » ( مكارم الأخلاق : 450 ؛ مستدرك الوسائل 327 : 12 ؛ بحار الأنوار 99 : 74 ) .