« قلنا : إنّ أيّة عمليّة إصلاحيّة يجب أن تنظر إلى الوجود الذاتي والوجود الوظيفي ، ويجب أن تبني مفهوماً خاصّاً عن الوجود الوظيفي .
ومن هنا قلنا : إنّه ما هو الدور الذي يعطي للحوزة لكي تمارسه في الأمّة ؟
الحوزة مسؤولة بحكم طبيعة تكوينها ووراثتها لأعباء الأنبياء والأئمّة عن التبليغ والتبشير والحماية .
أي : إنّ عليها أوّلًا تبليغ مفاهيم الإسلام وأحكامه ومعطياته في كلّ جوانب الحياة .
وثانياً : التبشير والدفاع وصيانة الأفكار فكريّاً .
وثالثاً : حماية الإسلام عمليّاً وواقعيّاً وخارجيّاً بالتبليغ .
وهذه الخطوط الثلاثة بمجموعها هي المهمّة الرئيسيّة للحوزة في حقل الأمّة .
ويقصد من تبليغ مفاهيم الإسلام بيان كلّ معطيات الإسلام والجوانب التشريعيّة ، ويجب أن تبيّن على أساس شمول الإسلام لكلّ جوانب الحياة فلا يقتصر على جانب دون جانب بل يطرح الإسلام كنظام كامل شامل للحياة .
فمثلًا : في تصوّراتنا الممتدّة عن المستقبل لا بدّ أن [ نتطوّر ] ، حتّى [ شكل ] الرسالة العمليّة يجب أن يتغيّر ، فالرسالة العمليّة اليوم توحي بأنّ الإسلام كنظام لفرد بينما يجب أن توحي بأنّ الإسلام كنظام للفرد وللسوق وللأسرة وللمجتمع وللدولة .
وأمّا الخطّ الثاني وهو خطّ الدفاع عن هذه الأطروحة فمعناه أن لا نقتصر على مجرّد بيانها بل يجب أن ندافع عنها فكريّاً ونظريّاً ، عن هذه الأحكام والمفاهيم والمعطيات وندفع عنها الشبهات ونقارن بينها وبين سائر الأفكار والأطروحات ونبيّن للمسلمين أنّ الإسلام هو الطريق الوحيد الذي يوفّر للإنسان الحياة في المجتمع الإسلامي .
والخطّ الثالث هو حماية الإسلام واقعيّاً ، وذلكلأنّ الخطّين السابقين وحدهما لا يكفيان ، فإنّ الحوزة لو افترضنا أنّها استطاعت إعطاء الفكرة وحمايتها فكريّاً ونظريّاً فهذا وحده لا يكفي ، فإنّ معنى حماية الإسلام هو حمايته كوجود في الخارج وكسلوك وفكر في الخارج . فالإسلام له معنيان :
أحدهما : عبارة عن مجرّد أفكار موجودة في القرآن الكريم وفي الروايات . وهذا حمايته تكون بالخطّ الأوّل والثاني .
وثانيهما : عبارة عن صلاة من المصلّي وصوم من الصائم ومعاملة نظيفة من المتعاملين وحكومة تلتزم بجوانب العدل ونحو ذلك . وهذه لا تكون [ حمايتها ] فقط بتبليغ الأحكام والدفاع عنها بل يجب حمايتها خارجاً .
وهنا يأتي سؤال وهو أنّه هل يوجد وجود واقعي عملي خارجي للإسلام حتّى [ يحميها ] وحتّى يفكّر ما هي الوظيفة فعلًا ؟ الشيء الموجود في الخارج عن الإسلام هو عبارة عن مجموعة من السلوك الفردي ومجموعة من الأفكار الفرديّة ، وبقيّة من القوانين التي لا تزال حتّى الآن مرتبطة بالتشريع الإسلامي . وهذا هو كلّ الوجود الإسلامي اليوم . وهذه القوانين المرتبطة بالتشريع الإسلامي هي في طريقها إلى التقلّص من قبيل قوانين الأحوال الشخصيّة ، فيوجد هناك بقيّة من جوانب الحياة المرتبط قانونيّاً على أساس الإسلام ، ولكنّها في حدود ضيّقة جدّاً .
هذا هو الشيء الموجود من الإسلام وهو في طريقه إلى الفناء وفي طريقه إلى التطوّر وذلك لأنّ المجتمعات الإسلاميّة تتشكّل من أفراد ، وهذه الأفراد الكثرة الكاثرة منهم يمكن أن نعتبرهم مسلمين اسميّاً لأنّ هؤلاء يخضعون واقعيّاً وفكريّاً لاتّجاهات كافرة ومستوردة من الغرب أو الشرق ، الأمّة الإسلاميّة تعيش التناقض بين أطروحة الشرق وأطروحة الغرب وهي لا تجد مجالًا أمامها إلّا اختيار أحد هذين
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 254
مساهمون: أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
ص٢٥٤