تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
الطريقين إمّا صريحاً ، وإمّا تحت عنوان الاستقلال . فالعالم الإسلامي اليوم تتقاذفه قوّتان رئيسيّتان وكيانان ، وهذه الكيانات التي تمثّل الارتباط مع هذا الجانب أو ذاك الجانب سوف تقضي على البقيّة الباقية من الإسلام كما قضت نهائيّاً في بعض المناطق وقضت بشكل كبير جدّاً بحيث لم يبقَ إلّا اسم الإسلام في بعض المناطق الأخرى كتركيا . ونحن بإزاء هذا يختلف موقفنا بشكل أساسي عن موقف الحوزة وموقف المبلّغين قبل دخول الأمّة الإسلاميّة عصر الاستعمار . قبل دخول الأمّة الإسلاميّة عصر الاستعمار كانت القواعد الأساسيّة في الأمّة الإسلاميّة [ عبارة عن ] الإسلام ولو على حدّ نظري تقريباً من بعض الجوانب وعلى حدّ واقعي من بعض الجوانب ، كانت قاعدة أساسيّة [ للكون ] وتنظيم الحياة . نعم كان يوجد انحرافات فرديّة تمثّل في فرد شارب للخمر أو تارك للصلاة أو حاكم ظالم يحكم بغير الكتاب والسنّة في حين إنّ الدستور كان هو العمل والحكم بالإسلام . فالانحراف كان انحرافاً فرديّاً والوعظ كان وعظاً فرديّاً والمشكلة كانت مشكلة فرديّة والحلّ كان حلًّا فرديّاً . أمّا اليوم فالانحراف أصبح هو القاعدة للحياة . فالقاعدة المنحرفة الكافرة إمّا مستوردة من الاتّجاه الغربي وهو عبارة عن ترك ما لله لله وبناء الحياة على أساس سيادة الإنسان مع قطع النظر عن المسألة الإلهيّة . وإمّا مستوردة من الشرق وهي عبارة عن عمليّة البناء على أساس افتراض عدم وجود أمور غيبيّة وراء عالم المادّة . وكلتا القاعدتين هي الكفر وقطع الصلة بين العبد وخالقه سبحانه وتعالى . إذاً فجميع الفوقيّات التي تقوم على أساس هاتين النظريّتين تؤثّر فيها هذه القاعدة حتماً ، وهذا معناه أنّ كيان المجتمع كلّه سوف يتلوّن بلون هذه القاعدة في زمن طويل أو في زمن قصير . في مثل هذه المرحلة تعتبر الاستقامة انحرافاً وتعتبر الطاعة انحرافاً ويعتبر الفكر الإسلامي انحرافاً وسخيفاً . وهذا ما جاء في الرواية عن رسول الله ( ع ) أنّه يأتي زمان لا يؤمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر « 1 » ، وهذا عبارة عن الانحراف ما قبل دخول عصر الاستعمار . ويأتي يوم أشدّ من هذا يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً « 2 » . وهذا عبارة عن تغيّر القاعدة أساساً . وفي مثل هذه الحالة - حالة تغيّر القاعدة الأساسيّة - لا يلزم أن تشتغل الحوزة بالوعظ بالأساليب الفرديّة التي كانت تشتغل بها في عصر ما قبل دخول الاستعمار ، لأنّ الحوزة حينما تواجه تاجراً مرابياً وتعظه قد يبكي لكنّه حينما يرجع إلى مجتمعه يرى نفسه مشدوداً إلى الربا لا يستطيع دفعه لأنّه أصبح قانوناً وأصبح هو الوضع السائد إلّا بأن يطلّق الحياة ويعتزل عن الحياة . وكذلك المرأة ، حينما تريد أن تدخل إلى المجتمع وأن تعيش معه ترى نفسها مضطرّة إلى ترك الحجاب والدين لأنّ المجتمع يفرض السفور ولأنّ السفور أصبح قانوناً ، ليس قانوناً مكتوباً على الورق وإنّما هو طبيعة الاتّجاه السائد ، و [ السياسة ] الفكريّة والعمليّة والاجتماعيّة للحضارة السائدة . فالمجتمع يفرض على هذه المرأة أحد طريقين : إمّا أن تكون محجّبة فتعتزل عن الحياة وتطلّق جميع ميادين العمل ، وإمّا - إذا كانت تفكّر أن يكون لها وجود ولها حياة - إذاً فيجب أن تترك قناعها وكرامتها
هامش
( 1 ) انظر : مستدرك الوسائل 375 : 11 حيث جاء : « يأتي على الناس زمان . . وشيخهم لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر . . » ( 2 ) الكافي 59 : 5 ؛ تهذيب الأحكام 177 : 6 ؛ وسائل الشيعة 348 : 15 .
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 255 | أحمد عبد الله أبو زيد العاملي