تخطي إلى المحتوى الرئيسي

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
خالصة ، وهذه الحياة المدرسيّة الخالصة التي يعيشها كثيراً ما تكون مشوبة أيضاً بالمبعّدات عن الله تعالى ، قد تكون أحياناً مشوبة بكثيرٍ من الذنوب التي تبعد الإنسان عن الله تعالى وتميّع صلته به ، فما يمضي عليه برهة من الزمن حتّى تكون جذوة ذلك الشعور التفصيلي قد انطفأت بعد أن تكون قد تحوّلت إلى ارتكاز . يعنّي في بداية الأمر يتحوّل شعوره التفصيلي إلى شعور مبهم غامض يختفي في الأعماق وتتراكم عليه مشاعر أخرى لا ترتبط بالله ، هذه المشاعر الأخرى تستورد من أهواء البيئة ، من طبيعة البيئة ، من الملابسات والتعقيدات غير الصالحة التي يعيشها في البيئة ، تتراكم هذه المشاعر الثانويّة غير الطاهرة ويبقى ذاك الشعور النظيف ، يبقى في الأعماق شعوراً مبهماً غامضاً باهتاً ، ثمّ بعد مضيِّ زمن يتلاشى ذاك الشعور ، يتلاشى حتّى كقاعدة ، ويتمزّق ، ويعوّض عنه شعور آخر ، بعد أن يكون هذا الطالب قد قضى مرحلة طويلة من حياته العلميّة ، بعد أن يكون قد أصبح مهيّئاً من الناحية العلميّة لكي يجسّد ذلك الشعور في عمله ، في جهاده ، في تطبيقه ، بعد أن يكون قد وصل إلى المرحلة التي يكون مدعوّاً فيها إلى المساهمة في خدمة الدين . . يكون قد فرغ وجدانه وضميره نهائيّاً من ذلك الشعور الذي عاشه وهو في طريقه من القرية إلى النجف ، وهو في طريقه من المدينة إلى النجف ، تلك الأحلام والآمال ، تلك التصوّرات الكبيرة الضخمة الروحيّة التي كان يعيشها وهو في طريقه إلى مهجره العظيم ، تلك التصوّرات تعود كلّها خواءً ، تعود كلّها فراغاً ، لأنّها بعد أن جُمّدت وأصبحت شعوراً إجماليّاً ، بعد هذا فقدت أيَّ غذاء وإمداد متّصل حتّى تمزّقت ، وهذا هو معنى نسيان الله تعالى . وأنتم كلّكم تعرفون أنّ من ينسى الله ينساه الله ، من ينقطع عن الله ينقطع عنه الله سبحانه وتعالى . ألم يقل الله : ( صانع وجهاً واحداً يكفك الوجوه كلّها ) « 1 » . نحن اليوم نرى أنّ الوجوه ساخطة علينا متبرّمة بنا ، وإنّما كانت ساخطة علينا متبرّمة بنا لأنّنا لم نصانع وجهاً واحداً حتّى يكفينا ذاك الوجه الواحد الوجوه كلّها ، نحن لم نشعر خلال حياتنا العلميّة بأنّنا مرتبطون ارتباطاً حقيقيّاً بالله تعالى ، وأنّنا مدعوّون من قبله سبحانه وتعالى إلى بذل كلِّ وجودنا وإمكانيّاتنا في سبيله ، هذا الشعور حيث إنّنا لم نعشه ، لم نصانع وجهاً واحداً ، ولمّا كنّا لم نصانع وجهاً واحداً لم يكفنا الوجوه كلّها . أفضلنا ، أشطرنا هو من صرف قواه وطاقاته في سبيل أن [ يصانع ] هذا الوجه ، وهذا الوجه ، وهذا الوجه ، وعمليّة [ مصانعة ] الوجوه بشكل فردي ، هذا لا يمكن أن تؤدّي إلّا إلى نتيجة فرديّة . وأمّا من صانع ذلك الوجه العظيم الذي بيده ملكوت السماوات والأرض فهو القادر على أن يكفيه الوجوه كلّها . الأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام بالرغم من أنّهم كانوا مضطهدين من قبل سلاطين وقتهم ، كانوا دائماً يعيشون المحنة من حكّام زمانهم ، بالرغم من أنّ أجهزة تلك الحكومات كانت كلّها تقوم على أساس الدعاية ضدّهم ، وعلى أساس نشر المفاهيم المعاكسة لخطّهم ، وبالرغم من أنّهم سبّوا على منابر المسلمين ألف شهر « 2 » ، وبالرغم من كلّ الطاقات التي بذلت من قبل سلاطين الوقت في سبيل تمييعهم وفي سبيل فصل قواعدهم الشعبيّة عنهم . . . بالرغم من كلّ ذلك نرى أنّ عليَّ بن الحسين حينما يأتي عليه الصلاة
هامش
( 1 ) الوارد أنّ هذه الكلمة للحكماء ، فقد قال أويس القرني : ما سمعتُ كلمةً كانت للحكماء أنفع لي من قولهم : « صانع وجهاً واحداً يكفك الوجوه كلّها » ( مجموعة ورام 113 : 2 ؛ وانظرها في : الكشكول للشيخ البهائي 124 : 1 ) ؛ ونسب في مصدرٍ آخر إلى بعض الوعاظ على النحو التالي : « يا هذا ! صانع وجهاً واحداً تقبل عليك الوجوه كلّها » ( ديوان المتنبّي ، أبو البقاء العكبري 280 : 4 ) ؛ وأسند في مصدرٍ ثالث إلى أبي عثمان سعيد بن إسماعيل حيث نقل عنه قوله : « أيّها المتصنّع إلى الناس وفهلًا وفولا ، صانع وجهاً واحداً يقبل عليك بالوجوه كلّها » ( الأمالي الشجريّة ، الحديث الثاني والثلاثون ، ذكر الرياء وشرّ عاقبته : 2097 ) ( 2 ) انظر : المناقب 253 : 3 .
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق ) — صفحة 180 | أحمد عبد الله أبو زيد العاملي